مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤٦الغمّ
إمكانيّة فقدان الإنسان إيمانه وانمحاء معرفته السّابقة بالله بنحو فجائيّ، كما رأينا، هي أسوأ مأساة قد تواجهه ساعة الموت، وهي مصدر غمّ (1)، بل الغمّة الوحيدة لأنّها تتجاوز كلّ ما يمكن أن يدور بخاطره. هناك غمّ قد يفاجئنا يصاحب الطّاعة، لأنّها قد تقترن بالخوف من ألاّ تُقبل. كذلك هناك الغمّ المتولّد عن ذكرى الذّنوب الماضية الّتي ليست مغفرتها مضمونة تماما. وهناك غمّ أخير يبعثه في المحتضر وعيه الحادّ بنزع الإيمان ومعرفة الله بنحو فجائيّ من جنانه. يجيز الكاتب طبعا وجود أشكال أخرى من الغمّ في الإنسان، ويشدّد على حتميّة القضاء وشموله كلّ شيء في حياة الإنسان: "كلّ ذلك قضاء مكتوب على اللّوح المحفوظ، لا يقبل زيادة ولا نقصانا، ويجري بلا تبديل ولا تحويل إلى يوم القيامة وبمقتضى علم الله بخلقه" (ص17).
الرّجاء والخوف
(1) - هناك 3 أنواع من الغمّة: غمّة الطّاعة لمّا يخاف العبد أن لا تُتقبّل منه؛ وغمّة الذّنوب لمّا يخاف ألاّ يغفرها الله له، قال تعالى: "كلّ نفس بما كسبت رهينة" (ق 74: 38)؛ غمّة نزع الإيمان ومعرفة الله، قال تعالى: "فلا يأمن مكرَ الله إلاّ القوم الخاسرون" (ق 7: 99). وقيل كذلك إنّ كلّ غمّة تتلخّص في حقيقة واحدة هي نزع معرفة الله. كلّ غمّة مباحة. كلّ هذا من القدر وهو مكتوب على اللّوح المحفوظ، لا يزيد ولا ينقص، وهو باق ويجري حسب علم الله بخلقه إلى يوم القيامة. عقيدة، ص17.
يتمّم تحليل ثنائيّ الرّجاء والخوف (1) بنحو منطقيّ ما تقدّم. طلب أبو سهل أن يكونا متوازنين، وقرن الرّجاء بالوعد والخوف بالوعيد، وأشار بموقف وسط