مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤٧

بينهما، مقرّعا في نفس الوقت شططين: اليأس والاغترار. الخوف المفرط يدفع إلى اليأس من رحمة الله، والرّجاء الّذي يتجاوز بلا مبرّر حدود الاعتدال يأمن ما يدعوه القرآن "مكر الله" (ق 7: 99). هكذا إذن تُعدّ المواقف المفرطة "خطيرة ومهلكة، ومرذولة ومنبوذة". ثمّ انتقل الكاتب إلى تطبيقات على مستوى الأشخاص، مقتصرا على مرحلتين مهمّتين من العمر: الكهولة والشّيخوخة. للكهولة أخطارها: إن بلغ العبد أشدّه فترك أوامر الله وستحلّ نواهيه وانتهك وصاياه، فسيحرمه الله بلا شكّ من رحمته، لأنّ طلب الرّحمة في حالته محض مساومة وغرور. ثمّ لمّا يرى الإنسان تناقص قواه مع المشيب فالأنسب له الانتقال من الخوف إلى الرّجاء، لأنّ الله، حسب ما ذكر نبيّه، لم يُخْف تقديره لعباده الّذين يرجون رحمته وقربه من القلوب الوجلة من ذكره. مع ذلك يقتضي توطيد رجائه أن يكون وهو في أوج القوّة والصّحّة قد تمسّك بالطّاعة وتحاشى الذّنوب. وفي كلّ فترات العمر، التّمادي في الذّنوب مع رجاء العفو محض اغترار، يدفع إليه الشّيطان: "يعدهم ويمنّيهم وما يعدهم الشّيطان إلاّ غرورا" (ق 4: 120).

(1) - انظر عقيدة، ص19 - 20.

الحرص على الوسطيّة كما وصفها يشبه بنحو ملحوظ ما ذهب إليه الغزاليّ في هذا الباب، فعلى حدّ قوله: "الرّجاء والخوف جناحان بهما يطير المقرّبون إلى كلّ مقام محمود، ومطيّتان بهما يقطع من طرق الآخرة كلّ عقبة كؤود" (1). وهو أيضا يرى أنّ "العمل على الرّجاء أعلى منه على الخوف لأنّ أقرب العباد إلى الله تعالى أحبّهم إليه، والحبّ يغلب الرّجاء" (2). يفسَّر هذا التّرتيب بالموقع المركزيّ

١٤٧ / ٤٩٤