مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٥٣

سوى أن يصير عالما مثل أبي سهل. "فليعملْ عن علم وإلاّ حُرم أجر الطّاعة والحسنات والأعمال الصّالحات". لماذا؟ لأنّ العلم والعمل مرتبطان ارتباطا حميميّا وثيقا، ولا قيمة لأيّ عمل بدون العلم، وصحيح كذلك أنّ العلم بلا عمل تجارة بائرة، لأنّ العمل من "ثمار العلم". إن لم نضع أمام أعيننا هذا الدّرس، فسنعرّض أنفسنا إلى إحباط من "لم ينل من عنائه واجتهاده ومكابدته أجرا ولا ثوابا". رفع الكاتب العلماء بوضع الجاهلين. لكن يجب ألاّ نسيء فهم وجهة نظره الحقيقيّة الّتي ترتبط بفكرة القضاء والقدر وتولّد الخوف. عبّر عن ذلك أبلغ تعبير: "قيل: النّاس كلّهم هلكى إلاّ العالمون، والعالمون كلّهم هلكى إلاّ العاملون، والعاملون كلّهم هلكى إلاّ المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم (2). فلا يغترَّ الإنسان بأمن السّاعة الحاضرة بما فيها من عبوديّة لله واستقامة وعصمة وتوجّه إلى سواء السّبيل. فإنّه لا يدري ما قضى الله في الغيب في أمره، فالأعمال تجرّ عواقبها وللأشياء غايتها. كم من النّاس تغرّهم سلامة بعض اللّحظات وهي تخفي لهم شرورا شتّى. لقد غرّ الله إبليس ببعض أعمال العبوديّة له بينما كان قد لعنه في علمه الأزليّ. أن يكون الشّيطان الرّجيم

(1) - انظر عقيدة، ص25 - 26.

(2) - الغزاليّ: إحياء ج4 ص362، بخصوص الإخلاص.

معَدّا لذلك المصير أمر معلوم مسبقا. هنا غيّر كاتبنا وجهته ليهاجم النّبيّ بلعام الشّهير الّذي لم يذكره القرآن لكنّ المفسّرين جعلوه خلفا لموسى، إمامَ العور وقائد البور، لقد "أوهمه الله بأنّه كان في نور صداقته بينما كان حسب قضائه عدوّا لله" (انظر ق 7: 175 - 176). تنحو لهجة هذا الحديث عن القضاء والقدر إلى إحلال جوّ من الخوف هو في نظر الكاتب أحفظ للسّلامة، لكنّه في الحقيقة قد يولّد الشّكّ: "قيل من

١٥٣ / ٤٩٤