مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٧٠

بالمعروف والنّهي عن المنكر صداقات فقط: فبسبب تنقّله في الأسواق لإلقاء المواعظ على السّوقة وبلغ بعض حاسديه في عرضه وقالوا، حسب ما ذكر كاتب سيرته، إنّه "يعلّم السّوقة مسائل الغشّ، يعني ينهاهم عنها فتعلّموها."

مع ذلك لم يكن هذا التّشدّد في المبادئ يتنافى مع قدر من اللّباقة في المعاملات اليوميّة. والظّاهر أنّ تقريعه المتكرّر لم يلبث أن أثار عليه أمير وقاضي طرابلس، حيث نزل ومعه عبيد أراد بيعهم، وقد تحدّاه: "هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ " أغضبت هذه الكلمات القاضي والأمير فما زالا يلتمسان عليه الأسباب حتّى سجناه. وأمكنه الخروج من السّجن بنظم قصيدة مدح بها ابن مكّيّ (1) حاكم قابس، الّذي تشفّع فيه عند حاكم طرابلس فأطلق سراحه، لكن بعدما تسلّم من ابني أبي زكريّا بن مسور مالا ساعد على ما يبدو على اتّخاذ قرار الإفراج عنه. ذكر الشماخي أنّه بعدما خرج بعث رسالة إلى ابن مكّيّ يعتذر فيها ويخبره أنّه لا يستحقّ ذلك المدح كلّه وذلك من تحفّظه وورعه أن لا يكون كذب في شعره وأن لا يكون من الّذين يهيمون في كلّ واد.

(1) - حول علاقات أحمد بن مكّي مع الحفصيّين انظر: [برنشفيغ]، تاريخ إفريقية في العهد الحفصيّ، باريس، ميزونّوف، (1940م)، ج1 ص158 - 159 و173 وما بعد.

يصعب أكثر تفسير موقفه من "أهل الكتاب". ولعلّ نبذة تاريخيّة تسمح بفهمه. نعلم أنّه بعد الإقامة (9 سنوات) بفرسطّا في جبل نفوسة ارتحل إلى جربة. وكان البابا [بونيفاكيوس الثامن] قد أقرّ في (1295م) بملكيّة [روجر دي لوريا] لها ولجزر قرقنة الّتي استولى عليها على سبيل الإقطاع. وفي السّنوات الّتي تلت شهدت الجزيرة وضعا بالغ الارتباك. تخبرنا المصادر التّاريخيّة- كتب

١٧٠ / ٤٩٤