مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٨٣انتباهنا كذلك مقطع آخر: يبدو حقّا أنّ دار العدل في تصوّره أوسع ممّا تعني في التّقليد الإباضيّ. فحتّى في "دار الجور" يمكن اعتبار سلطة محتلّة، حتّى إن كانت أجنبيّة وبشرط ألاّ تكون متعصّبة وأن تظهر التّسامح نحو المسلمين واحترام أحكام الإسلام العامّة، كإمامة عادلة، خاصّة إن ساهمت من جهتها في ردّ البدع (1). ألا ينبغي أن نرى في هذه التّوسعة الغريبة لدار العدل إشارة إلى الظّرف التّاريخيّ الّذي عايشه الجيطالي في جربة بوجه خاصّ، وتشجيعا ضمنيّا لبني ملّته على القبول بوضع سياسيّ قائم على تسوية في ظلّ سلطة أجنبيّة تمكّنت من إحلال السّلام بعد الصّراعات الطّويلة بين الصّفّين الوهبيّ والنّكّاريّ؟ هادن الإباضيّة الوهبيّة هذه السّلطة الأجنبيّة، وفي نفس الوقت لا بدّ أنّهم سُرّوا بإضعاف الفرقة المارقة المناوئة. وتأتي سيرة عبد الوهّاب إمام تيهرت- الّذي لم يعتبر في الواقع- سوى حالة الإمامة العادلة لتعطي بفضل سلطان ووزن سنن السّلف غطاء لهذه التّوسعة لمفهوم الإمام العدل الّتي اقترحها بعبارات متّزنة على معاصريه. لا بدّ أن نضيف أنّ من الضّروريّ تمييز
(1) - "كلّ دار يكون أهلها الغالبون عليها القاهرون لأهلها هم العاملين بما جاء به التّنزيل المتعبّدين بما شرعه الرّسول النّاهين بما نهى عنه الشّرع والعقول الدّاعين إلى السّنّة والعمل بها الرّادّين البدعة على من جاء بها غير متجانفين للأقارب ولا متعصّبين على الأجانب، يتولاّهم الإنسان ويسمّيهم أهل العدل والإحسان، وينسب الدّار إليهم فيسمّيها دار العدل والحقّ، فكلّ من رآه منهم في زيّ أهلها فليحكم عليه بحكمهم إلاّ إن ظهر منه خلافهم"، ص48.
هذه الحالة لحكم أجنبيّ غالب وقاهر لكنّه يحترم شرائع الإسلام عن حالة إمام الجور الّتي تستدعي عند الكاتب كما عند سابقيه البراءة (ص71). والدّوافع الّتي تحمل الإباضيّة على الخضوع رغم ضمائرهم لمن يأتمرون بأوامر ذلك الإمام مختلفة تماما: قد يوجد بين أولئك