مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٩١

قبل الله كالميّت بين يدي الغاسل" (1). سنكتفي في هذا التّحليل ببعض أفكار الكاتب حول النّيّة. هي أحد "أركان الدّين" (2) ولباب الفعل وصفوته. هي من العمل بمنزلة البذر في الزّراعة: من زرع بالبذر فحقيق أن يحصد غبطة، ومن تعنّى بلا بذر فثمرته النّدامة. ثمّ، مثل كتّاب الأخلاق في كلّ زمان، أحبّ الكاتب أن يُظهر ترابط الفضائل: النّيّة بغير إخلاص رياء وهو والنّفاق سواء، والإخلاص من غير صدق وتحقيق هباء. وهي توأم العمل الّذي منها يستمدّ معناه وقيمته. لذلك يهمّ الإنسان أن يعرف حقيقتها بمساءلة ضميره، وإلاّ فكيف يستطيع معرفة صحّتها؟ ومع أنّ العمل يستمدّ منها قيمته كما يبيّن الحديث المشهور الّذي شرحه الكاتب،

(1) - أورد الغزاليّ صورة الميّت والغاسل في باب التّوكّل لا في باب الرّضا: "الدّرجة الثّالثة أن يكون بين يدي الله تعالى في حركاته وسكناته مثل الميّت بين يدي الغاسل، لا يفارقهما إلاّ في أن يرى نفسه ميّتا تحرّكه القدرة الأزليّة كما تحرّك يد الغاسل الميّت. وهو الّذي قوي يقينه بأنّه مُجرٍ للحركة والقدرة والإرادة والعلم وسائر الصّفات، وأنّ كلاّ يحدث جبرا، فيكون بائنا عن الانتظار لما يجري عليه" إحياء، كتاب التّوكّل، ترجمة [غارديه]، إبلا 13 (1950م)، 38.

(2) - انظر الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص16.

لا تغيّر طبيعة الأفعال، إذ لا يمكن أن يتّخذ الإنسان الشّرّ وسيلة للخير مثل من يغتاب النّاس تطييبا لقلب مسلم أو يُطعم فقيرا من مال غيره. لا تؤثّر النّيّة إذن في المعاصي فتنقلب بها لله قربة وعبادة، وظنّ ذلك جهالة واغترار. لكنّها تؤثّر في المباحات- الّتي ليست في ذاتها خيرا ولا شرّا- فتنقلب بها طاعات، من ذلك حظوظ النّفس من المباح كالأكل والنّوم والنّكاح. تتيح إذّاك انبعاث (1) القلب والتّحرّي به إلى مرضاة الرّبّ، ومن أثرها العجيب استمرار العمل بنحو

١٩١ / ٤٩٤