مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٩٣(1) - قلّما نجد عند المتكلّمين والمفسّرين في شكل موضوع لاهوتيّ مجموع المعطيات القرآنيّة المتعلّقة بالشّرّ في العالم وترابطها لتفسير نشأة الملل. تناولت جلّ النّصوص، مثلا شرح الآية (2: 213) "كان النّاس أمّة واحدة فبعث الله النّبيّين … "، تلك المعطيات منفصلة، مع اعتبار فترة زمنيّة (مثلا وفق حديث مسند إلى عكرمة وابن عبّاس مرّ بين آدم ونوح 10 قرون وكان النّاس يعيشون جميعا وفق الشّريعة ثمّ تفرّقوا فأرسل الله إليهم النّبيّين كما جاء في التّفسير الكبير للطّبريّ: القاهرة، دار المعارف، 4، 4048) أو حادثة (كقابيل وهابيل، نوح والطّوفان، لمّا بعث الله آدم إلى بنيه كانوا كلّهم مسلمين مطيعين لله ولم يتفرّقوا إلاّ بعدما قتل قابيل أخاه حسدا وتمرّدا وذلك ثابت) أو خلق الإنسان على الفطرة ثمّ تفرّق النّاس بسبب آبائهم الّذين يهوّدونهم أو ينصّرونهم أو يمجّسونهم وفق حديث كثيرا ما يستشهد به الكتّاب (انظر تفسير الرّازي، القاهرة، المطبعة البهيّة المصريّة، (1357هـ/1938م)، (5: 12 - 13)).
حكم ملّة الإسلام. بعكس أبي حفص والجنّاونيّ، لم يذكر الجيطالي مسالك الدّين الأربعة على مذهب الإباضيّة (1)، واكتفى بتحديد الحقوق والواجبات المتعيّنة تجاه الأشخاص حسب علاقة الولاية أو العداوة الّتي تربطهم بالمسلمين المحقيّن.
1 - هناك أوّلا حالة أهل البغي والفساد (2) الّتي يختلف رأي الجيطالي فيها عمّا في عقيدتي المزاب ونفوسة. فقد ميّز حالة المحاربين الأعداء و"قطّاع الطّريق" وحالة أهل البغي. بالنّسبة إلى الأوائل تنطبق شريعة الحرب بلا هوادة، أمّا بالنّسبة إلى البغاة فإنّ آراءه حولها تعكس تطوّرا. بالاعتماد على ما ورد في النّصوص، نشاهد نوعا من التّطبيع: فإقامة الحدود ومفهوم القوَد الّذي تقدّم به ودفع الدّيّة عناصر تعكس خطوة في اتّجاه صياغة تشريع حول النّزاعات، وتدلّ على أنّ الحرب مع المنشقّين لم تعد في عصره تتّصف بالحدّة الّتي ميّزتها في الفترات السّابقة.