مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٩٧الغزاليّ بنحو أوضح ممّا عند سابقه أبي سهل الّذي واصل اتّجاهه التّقويّ. رأينا مثالا على ذلك في تحليل مفهوم النّيّة. ولا شكّ أنّ تأثير الغزاليّ يظهر أكثر في كتابه "قناطر الخيرات". لا تتجلّى في هذا المجال إذن أصالته.
إن اعتبرنا أنّ علم الكلام يظلّ، حتّى في فترة ركود، مرآة لقضايا العصر، ففي القسم المركزيّ من الكتاب، في باب الولاية والبراءة، وكذلك في باب الملل، يمكننا أن نرى ذلك بحقّ. هنا حلّ الفقيه مكان المتكلّم. وكما بيّنّا، تعكس الحلول الّتي قدّمها الأوضاع السّياسيّة المضطربة لعصره، حيث طرحت العلاقات بين الفرق في نفوسة وجربة إشكالات عويصة على فقيهنا الّذي كان عاملا في فترة كتمان. حول هذه المسائل ذات الأهمّيّة الكبرى عند الإباضيّة، تمّم على وجه مُرض وجمع في خلاصة متّسقة إسهامات سابقيه التّمهيديّة. توجد كذلك في حكم الذّمّيّ عناصر أصيلة رغم أنّه في جملته مستوحى من عهد عمر. فيما يخصّ الإمام رأينا أنّه قدّم مشروعا أكثر انفتاحا حول مفهوم إمامة العدل. مثلا حيث اكتفت العقائد السّابقة بعدم فرض الهجرة من دار الجور، أظهر اتّجاها إيجابيّا منفتحا بقبوله ولاية إمام قاهر إن كان يحترم شرائع الإسلام. في المقابل قدّم فيما يتعلّق بإبقاء الإمام مرتكب الكبيرة رأيا فيه قدر من المجازفة، يبدو أنّه انفرد به في فرقته.
لم تبق القواعد المفصّلة الّتي عرضها حول الولاية والبراءة بدون تأثير في الفقه الإباضيّ، وقد لمّح الكاتب عرضا إلى صداها. نكتفي بمثالين في هذا الباب.
أ- في تواصل مع سابقيه، أكّد أنّ المحكوم بالبراءة منه أو مرتكب الكبيرة يفقد العدالة (فلا يقبل القاضي شهادته) وحقّ المناكحة والموارثة والمدافنة.