مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢١٧هذا الاستنكاف عن الشّبهات في شكل إحساس دينيّ هو الورع، أي الحرص الشّديد على اجتناب الذّنوب، وبوجه خاصّ في ما لا يُعرف جيّدا حِلّه من حرامه. رأينا ذلك مثلا عند عرض عقيدة نفوسة للجنّاونيّ. ومن باب أوْلى أن تُظهر تلك الحساسيّة الدّينيّة الإباضيّة يقظة وحيطة إذا كان الشّكّ يتعلّق بجوانب أساسيّة من العقيدة: كالوعد والوعيد ومجال الأخلاق. وهي تُدين من ارتكب آثاما أو جوّزها، وتبرأ لا ممّن ينتهك المحظورات فقط بل كذلك من يقلّل من خطورة انتهاكها.
قد يكون هذا الحرص على البقاء على أرضيّة اليقين الصّلبة هو تحديدا ما يفسّر غياب الوقوف في الشّبهات الّذي ذكرته عقائد المغرب. فالنّواة الأصليّة لعقيدة عمان لا تعتبر سوى وضعين مستبينين: الولاية والبراءة.
- لا نجد هنا، بخصوص مفهومي الولاية والبراءة المستمدّين من القرآن التّحاليل المفصّلة الّتي خصّصتها لهما عقائد المغرب وكتب الأصول، ومن ذلك على وجه الخصوص ولاية أو براءة الأشخاص. اكتفت عقيدة عمان في هذا الباب بإعلان المبدأ التّالي الّذي يحدّد العلاقات مع الآخرين على أساس علاقتهم مع الله: "الولاية لأهل طاعة الله ومفارقة أعداء الله". طاعة أوامر الله، لا رابطة القرابة ولا المنزلة الاجتماعيّة، هي العهد الّذي يفي به المؤمن: "الولاية ممّن عمل بالحقّ كان له ذكر أو كان غير مذكور". هذا المبدأ أساس موقف الإباضيّة من عليّ وبراءتهم من عثمان وشروط طاعة الإمام والولاء له، وعليه أيضا ينبني واجب "قتال أهل البغي بعد إقامة الحجّة عليهم حتّى يفيئوا إلى أمر الله، وقتل المحاربين الممتنعين عن الحقّ حتّى يأخذوا