مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣٠أشرنا إلى أنّها جمعت بدون ترتيب ظاهر عناصر تؤلّف بوجه ما مادّة خاما أعطاها مفكّرو المذهب لاحقا، بعد عمل ترتيب وصياغة مفاهيم وتنظير، شكل نسق متكامل. مثلا خلط تعدادُ التّعاليم الأخلاقيّة بدون تمييز نواهي قرآنيّة ووصايا من السّنّة وعادات محلّيّة. كذلك لم يرد التّمييز المعتاد بين ذنوب الشّرك والكفر والنّفاق. كذلك لا يدعو تعداد الصّفات الجافّ إلى الارتياب في وجود أيّ تلميح إلى مجادلة في ميدان جرت فيه لاحقا نقاشات حادّة مع الأشاعرة تُظهر أهمّيّة تلك المسألة.
نعت الصّفاتيّة الّذي وجّهه الإباضيّة إلى خصومهم، الأشاعرة على الأرجح، وردّه هؤلاء عليهم، يحيلنا على وجه الاحتمال، إن اعتمدنا على الفقه الأكبر 1، إلى تاريخ متأخّر كثيرا عن عصر عبد الله بن إباض، لكنّ القضيّة المثارة (هل مرتكب الكبيرة مؤمن؟ هل الإسلام من الإيمان؟) تتعلّق بتصوّر للإيمان طُرح منذ (ق 1م).
في ما يتعلّق باستحالة رؤية الله، يبدو لأوّل وهلة بالإمكان الاستنتاج من مجرّد الاستشهاد مرّتين بالآية "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" (ق 6: 103) أنّ هذا البند من العقيدة بات في زمن مؤسّس الإباضيّة أمرا مفروغا منه: فقد وُضع في أوّل الفقرة عن صفات الله، وهو في ذلك الموقع يؤكّد فقط، مع عدّة آيات أخرى عن أسماء الله، تنزيهه واستحالة إدراكه. بيد أنّ اختيار هذه الآية النّافية لرؤيته دون سواها ذو دلالة في حدّ ذاته ويشكّل توجّها لعلماء الفرقة في المستقبل: بناء على غياب المجادلة تحديدا مع الاقتصار على هذه الآية الّتي صارت في مرحلة من تطوّر المذهب الحجّة الحاسمة في كلّ النّقاشات، قد نميل إلى التّفكير