مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٦٥الاختلاف هذه، فأيّ أشاعرة عنى؟ قد تساعد نبذة عن تطوّر الأشعريّة وتطوّر مدارسها المختلفة على تحديد الخصوم الّذين استهدفهم الورجلانيّ بمزيد من الدّقّة.
(1) - الورجلانيّ: الدّليل ص38؛ [علّوش]: رسالتان ص60؛ كذلك الدّليل، ج3 ص192.
نعلم أنّ أوّل المعطّلة قبل المعتزلة كانوا الجهميّة أتباع جهم بن صفوان (1)، منكري تعدّد الصّفات في الله (2). حمل المعتزلةَ جدلهم ضدّ المشبّهة إلى تأكيد وحدانيّة الله المطلقة واختلافه التّامّ عن الخلق (ليس كمثله شيء) إلى حدّ آل معه إلى نفي وجود الصّفات، وإن أقرّوا بصفات القدرة والعلم والإرادة والحياة فلتأكيد أنّها عين الذّات.
(1) - جهم بن صفوان قُتل في (128هـ/746م)؛ انظر مقالي [وات] في دائرة المعارف الإسلامية 2 "جهم" 2: 398 - و"الجهميّة"، ج2 ص398 - 399؛ [غارديه]، دراسات في الفلسفة والتّصوّف المقارنين، باريس، فرين (1972م)، ص98 - 100.
(2) - ردّ عبد الكافي (الموجز، ج1 ص425) على الجهميّة.
بيّن ابن خلدون أنّ الرّدّ الإصلاحيّ الأشعريّ اجتهد في التّوسّط بين تشبيه المجسّمة وتنزيه المعتزلة (1). دون التّخلّي عن وحدانيّة الله، تحفظ الأشعريّة، على الأقلّ في فكر مؤسّسها، موضوعيّة الصّفات الّتي تعتبرها قائمة بالذّات وليست هي الله ولا غيره. في الأصل لا تختلف نظريّة الأشعريّة في الصّفات تقريبا عن نظريّة المعتزلة، هي مثلها لاهوت سلبيّ، كما نرى مثلا في "رسالة إلى أهل الثّغر" (2) أو في "كتاب اللُّمع" (3). مع ذلك، يلاحَظ أنّ الأشعريّ، حتّى في "الإبانة"، ودون مناقضة