مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٧٥شيئا واحدا والشّيء على حدته والعالمان اثنان، أو علم رجل شيئين. من جهة القوّة المدركة لا يجرّ تنوّع الأحوال المتعاقبة تعدّدا في العلوم لأنّ الأشياء ليست بضائرة الذّات الّتي تدركها (3). ومن جهة الشّيء يمكن أن يدرَك من جوانب شتّى، لكنّ هذا التّنوّع في كيفيّة إدراكه لا يمنع بقاءه هو هو. ينطبق هذا على إدراكنا لله: فإنّ الصّفات المتنوّعة الّتي نصفه بها لا تحدث تعدّدا في ذاته. لتقريب الفكرة إلى الأذهان ضرب الورجلانيّ مثلا: "رجلا قاعدا في موضع من المواضع تختلف فيه عليه الأشياء من بين مارّ بين يديه وآخر من خلفه وآخر فوقه وآخر تحته، وليس اختلاف هذه الجهات ما يقتضي اختلاف ذات الإنسان وتوهّم تقسيمه بجعل الرّأس ناحية والرّجْلين ناحية والجنبين ناحية. فإنّ غرضنا الذّات، ومن جاز على إنسان فقد جاز عليه كلّه، وكذلك سائر الجهات. واختلاف النّسب إلى هذه الجهات لا يقتضي
(1) - نفضّل ترجمة "عين" (ج أعيان) ب individu concret ( أي ماهية توجد في فرد معيّن) على substance كما فعل [علّوش] فقد يقع القارئ في لبس. انظر [غواشون]، قاموس مصطلحات ابن سينا الفلسفيّة، ص257.
(2) - الورجلانيّ: الدّليل، ص47؛ [علّوش]: رسالتان، ص67 - 68.
(3) - لا تؤثّر فيها.
الاختلاف فيه" (1). رغم نقائص هذا التّشبيه بحالة إنسانيّة، نرى جيّدا مقصد الكاتب: لا يتأثّر الله بإدراكنا له. علمنا به (من خلال الصّفات الّتي نصفه بها) جزئيّ لا محالة، لكنّه يقع على حقيقته الكاملة الّتي لا تتجزّأ.
قدّم الورجلانيّ حلاّ لمشكلة التّمييز بين الذّات والمعاني جديرا بالاهتمام، يجيب على اعتراض مستمدّ من لغة العرب: فإنّهم إذا وصفوا إنسانا بالشّجاعة أو الجبن، أو بالسّخاء أو البخل، أثبتوا تلك الخصال والعيوب معاني مغايرة له، والشّأن مماثل في الصّفات في رأي الخصم. جواب الورجلانيّ هو أنّ مدلول الكلمة هو الواقع الّذي يشيرون إليه بالدّرجة الأولى، وهذا لا يقتضي بالضّرورة