مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٩١

بل يلاحَظ غياب الصّفات في صياغات العقيدة الأولى. تبرز هذه الأولويّة من كتابات تبغورين رغم التّرابط بينهما، كذلك استنتج كاتب كأطفيّش انطلاقا من مدلول الأسماء تماهي الصّفة والذّات.

لا ينبغي أن تدفعنا هذه الاختلافات بين الإباضيّة والأشاعرة، الّتي كثيرا ما ضخّمها الجدل والتّحامل على الخصم، إلى التّقليل من أهمّيّة نقاط الاتّفاق: كحجّة الله الّتي هي عند الفريقين فرض نابع من أمر إلهيّ ولا يستند إلى العقل الإنسانيّ كما تصوّره المعتزلة، كما أنّ الاستدلال على وجود الله من حدوث العالم والقياس على ما يشاهَد في الخلق (2) والقول بمعرفة فطريّة لله من الأفكار المتداولة عند الأشعريّة، كذلك يبيّن استخدام بعض أفكار الدّهريّة لإثبات سبق القديم للحادث وجوديّا أنّ الإباضيّة يشاركون الأشعريّة في فلسفتهم الطّبيعيّة القائمة على مبدأ المناسبات.

(1) - يلتقون حول هذه النّقطة مع المعتزلة، مثلا النّظّام في "تثبيت الأسماء مع إيجاب التّسمية ونفي المضادّ، فقد "كان إذا قيل له تقول إنّ لله علما؟ قال: أقول ذلك توسّعا وأُرجع ذلك إلى تثبيته عالما"؛ انظر الأشعريّ: مقالات، ج2 ص159. يلاحَظ أنّ الثّمينيّ- وهو محدث- يربط الأسماء أو الصّفات المعنويّة بالمعاني (كالقدرة والإرادة الخ). وأيّا كان رأينا في مقاربة [مسّينيون] "للمعاني" بالمثل الأفلاطونيّة، من الواضح أنّ الإباضيّة يرفضون القول بصفة مغايرة للذّات أو زائدة عليها.

(2) - كان بعض المعتزلة يرفضون الاستدلال بالخلق على الخالق على سبيل القياس، منهم مثلا عبّاد بن سليمان: "كان لا يستدلّ بالشّاهد على الغائب ولا يستدلّ بالأفعال على أنّ الباري عالم حيّ قادر، وكان لا يستدلّ على الباري بالأعراض"؛ انظر الأشعريّ: مقالات، ج2 ص167.

من جهة أخرى لا بدّ أن نلاحظ أوجه الاتّفاق بين الإباضيّة والمعتزلة حول النّقاط الأساسيّة. رأينا مثلا التّشديد على التّنزيه الّذي حملهم جميعا إلى تأويل الآيات المتشابهة بمعنى مجازيّ ضدّ الآخذين بحرفيّتها من الحنابلة والأشاعرة، بترجيح مفهومها على معقولها وظاهرها، وأهمّ معيار في

٢٩١ / ٤٩٤