مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٩٤الفصل الثامن: خلق القرآن
رأينا كيف جُرّ الإباضيّة مثل المعتزلة إلى التّمييز ضمن الصّفات بين صفات الذّات وصفات الأفعال، واعتبار أنّ الأخيرة هي الّتي يمكن أن يتّصف الله بضدّها أو يقدر على فعل ضدّها، فقد يحبّ ويبغض، ويأمر وينهى. يحملنا الأمر والنّهي إلى مجال كلام الله: هنا نخرج من مجال طبيعة الله ونتناول فعله في العالم.
(1) - الأشعريّ: مقالات، ج2 ص231.
(2) - عند بعض الأشاعرة "الكلام" هو الرّابطة بين الصّفات الفعليّة والذّاتيّة. ميّز الباقلاّنيّ مثلا بين الذّاتيّة (الحياة، العلم، القدرة، البصر، السّمع، الكلام، الإرادة، البقاء، الغضب، الرّضا الخ) والفعليّة (الخلق، العناية، الرّزق، العدل، الإحسان، الحشر والنّشر الخ)، لكنّ تسمية الله نفسه بهذه الأخيرة قديم لأنّ ذلك كلامه، أو هو لم يزل متكلّما بكلام غير مخلوق. انظر التّمهيد، نشر مكّارتي، بيروت (1957م)، ص263.
في هذا المجال الفرعيّ من ميدان الصّفات، مجال كلام الله، طُرحت بحدّة أكبر المشكلة الّتي أثيرت حول الصّفات الأخرى: كيف نوفّق بين التّنزيه، أي إفراد الله المطلق عن الخلق الّذي هو ركيزة علم الكلام الإباضيّ- والمعتزليّ- وظاهرة القرآن كما نشاهده: كلام مؤلّف مقطّع منطوق بألسنتنا مجموع في مصحف يدعى القرآن؟ يطرح هذا الموضوع أكثر من سواه مشكلة الشّبه في اللّغة: إن كان الله قد تكلّم- وهي حقيقة لا ريب فيها- فهل يمكن أن يكون كلامه شبيها بكلام البشر؟ هل القرآن الّّذي نقرأه حكاية لقرآن آخر مكنون في اللّوح المحفوظ؟ في هذه الحالة ما الّذي يضمن مطابقة النّسخة للأصل المحكيّ؟
نبذة تاريخيّة
لا نملك معلومات كافية عن الملابسات الّتي جرت فيها النّقاشات الأولى حول القرآن. من الوارد التّفكير بأنّه لم يكن للنّقاشات مع النّصارى حول الكلمة