مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٩٨بعد ذلك بفترة قصيرة، في الرّبع الرابع من (ق 2هـ)، وفي البصرة أيضا، أنشأ الأصمّ (ت 200 - 201هـ/816 - 817م) (2) حلقة، ولا شكّ أنّ شهرته في هذه المدينة تعود إلى غزارة إنتاجه وكذلك إلى حدّ ما إلى علاقاته الجيّدة مع الإباضيّة الّذين لم يكونوا قد غادروا المدينة بعد في ذلك الوقت. فقد قدّمه التّوحيديّ في البصائر كصاحب الإباضيّة (3). كتب عن خلق القرآن قبل أن يتناول المعتزلة هذه القضيّة، وكان يعتبر القرآن هو أيضا "جسما" وربّما استمدّ من ذلك فكرته أنّ الكتاب مخلوق بما أنّ الله وحده "شيء" ليس بجسم (4). الظّاهر إذن أنّ النّقاش حول خلق القرآن نشأ في حلقات البصرة والكوفة في النّصف الأول من (ق 2هـ/8م). ولئن لم يكن الإباضيّة مصدره، فلا شكّ أنّهم كانوا على صلة وثيقة به.
(1) - "وقد اتّفقت الأمّة على خلق القرآن حتّى جاء أبو شاكر الدّيصانيّ يريد إدخال الشّرّ والكفر والبدع في الإسلام، فأظهر العبادة وأكثر حضور مجالس العلم، ورغبوا فيه وأحبّوه. ثمّ انقطع عن المجلس مرّة فسُئل: لمَ انقطعت عنّا؟ فجعل يبكي ويقول: كيف يستقيم لي عيش وأنتم تقولون في ما هو صفة قديمة لله تعالى وهو القرآن إنّه مخلوق. فكان يجلب النّاس إلى دعوى قدم القرآن فشاع قدمه" أطفيّش: شرح العقيدة، ص406، انظر كذلك السّالميّ: تحفة الأعيان ج1 ص128. حول علاقة هشام بن الحكم والدّيصانيّة انظر نادر: كتاب الانتصار والرّدّ على ابن الرّاونديّ الملحد لأبي الحسين بن عثمان الخيّاط المعتزليّ، بيروت (1957م) ص32، و [مونتغومري واتّ]: مرحلة تكوّن الفكر الإسلاميّ ص187.
(2) - انظر مقال "الأصمّ" لـ[فان إسّ] في دائرة المعارف الإسلامية 2، جزء 1.
(3) - نشر الكيلانيّ ج2 ص825 - 826.
(4) - "هذه حكاية جعفر بن مبشّر وأظنّ أنا أنّ هذا قول الأصمّ" الأشعريّ: مقالات، ج2 ص236.
والحقّ أنّ النّقاش لم يُحسم منذ البداية وبشكل نهائيّ باتّجاه القول بخلق القرآن، بما أنّ بعض إباضيّة عمان على الأقلّ استمرّوا حتّى أيّام الإمام المهنّا بن جيفر في النّصف الأول من (ق 3هـ) (1) في نفيه. في تحليل عقيدة عمان رأينا أنّ