مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٠٤قرآنان أحدهما قائم بذات الله، والآخر هو الّذي نُزّل على محمّد. سمع موسى كلاما من الله، ولم يجز أن يكون سمع الخالقَ إنّما سمع كلامَ الخالق: صوتا مقطّعا بتقطيع قائم فيه مؤلّفا، أي شيئا مخلوقا لأنّ الحواسّ لا تستطيع أن تدرك إلاّ الأشياء الّتي تناسبها. هناك دليل آخر على الحدوث، هو أنّه جائز أن يقال: "متى كلّم الله موسى؟ " يجد هنا ما ذكرنا قبل عن أصل التّمييز بين صفات الذّات وصفات الأفعال ما يؤيّده: صفة الكلام الّذي نزل تباعا وتجسّد بوجه ما في كتاب هي الّتي طرحت في المقام الأوّل على المتكلّمين المسلمين قضيّة صفات الأفعال وقدّمت دليلا على سبق الله للحادث.
(1) - المصدر نفسه، ص189.
(2) - فكرة جعفر بن مبشّر هي "أنّ القرآن خلقه الله في اللّوح المحفوظ لا يجوز أن يُنقل ولا أن يوجد إلاّ في مكان واحد، لأنّ وجود شيء واحد في وقت واحد في مكانين على الحلول والتّمكّن يستحيل، وأنّ ما يُسمع ويُحفظ ويُكتب هو القرآن الّذي في اللّوح المحفوظ بعينه على أنّه مثله وحكايته" انظر الأشعريّ: مقالات، ج2 ص244.
هكذا أخذ أبو اليقظان موقفا ضدّ المعتزلة البغداديّين بخصوص "حكاية" القرآن، وتبنّى صياغة أقرب إلى أفكار النّظّام القائل بأنّه صوت مقطّع مؤلّف مسموع (1) وأبي عليّ الجبّائيّ القائل بأنّ وصف الله بالمتكلّم يعني أنّه يخلق الكلام (2) وإن لم يتبعه إلى نفس المدى بجعل النّبيّ محلّ الكلام وبوجه ما حامله (3)، مظهرا