مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٠٨استبعد الإمام إمكانيّة كلام قديم قائم بالله، لكنّه لم يبيّن ماهية هذا الكلام الملقى إلى بشر: بأيّ معنى نقول إنّ هذا الكلام، مسموعا بالآذان مقروءا بالألسن مكتوبا في المصاحف وفي قلوب الّذين أوتوا العلم، كلام الله؟ يعني وصف الكلام بالعرض جعله في دائرة المحدَث- لأنّ العرض حركة أو سكون- والحكمَ بأنّه قابل للزّوال. صحيح أنّ تبغورين أكّد في نفس الوقت أنّ القرآن خبر وصدق، وكلّه من الله، لكن ألا يشتمل التّشديد على صفته كعرض ومخلوق خطر تضخيم أهمّيّة فعل الإنسان (4)
(1) - "ليس منّا من قال إنّ القرآن ليس مخلوقا" (عقيدة العزّابة). عبارة الجنّاونيّ أعمّ ولا تشير إلى خلق القرآن: "ليس منّا من يقول بأنّ القرآن ليس كلام الله" أو "ليس بيننا من يقول بأنّ القرآن ليس مخلوقا" (عقيدة نفوسة، ص48 - 49). لكنّه أشار عرضا إلى أنّه "عرض" (ن م 51)، وفي كتاب الوضع أكّد المعنى السّلبيّ لصفة الكلام: "الله متكلّم أي ليس بأخرس" (ص 11).
(2) - انظر عقيدة نفوسة، ص51. قال جعفر بن مبشّر والأصمّ إنّ القرآن جسم وليس عرضا بخلاف معظم المعتزلة. انظر الأشعريّ: مقالات، ج2 ص236.
(3) - مثلا معمّر والإسكافيّ وأبو الهذيل، انظر مقالات، ج1 ص246.
(4) - "القرآن هو هذا المقطّع المسموع المفهوم كما قلنا، هو كلام صادر عنّا، لفظ صادر عنّا. هو خبر وصوت مقطّع. التّقطيع أمر آخر: هو حركة اللّسان والشّفاه واللّهاة، وتأليف الحروف. هذا الأمر من أفعال الإنسان" (أصول الدّين، ص63).
؟ فعل الله فيه، كما قال القاضي عبد الجبّار (1) لاحقا، أنّه محدِثه وهو مضاف إليه كما يضاف ما ننشده اليوم من قصيدة امرئ القيس وإن لم يحدثه الآن.
دافع عن هذه الرّؤية الواقعيّة كذلك الورجلانيّ الّذي رفض التّفريق ضمن القرآن بين كلام يتبع المجال الإلهيّ ويتضمّن الأوامر والنّواهي، وآخر دعاه "هيولا خيولا" هادفا بهذا التّلاعب اللّفظيّ إلى كشف التّناقض الّذي ينطوي عليه ذلك الجانب الّذي يدعونه "العبارة عنه" والّذي هو في رأيه بمثابة خيال للأوّل (2). وتابع ساخرا أنّه