مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٢١بخصوص المعنى النّفسيّ الّذي اعتبره مجرّد علاقة بين الإنسان والله المخبر الآمر النّاهي الخ، رفض جملةً مقولةَ كلام نفسيّ يتصوّره خصومه كبقيّة الصّفات معنى قائما بالله. الأمر والنّهي كمعان قديمة قائمة بالذّات- وحسب الخصوم تزاد عليها- عين العلم القديم في رأي الإباضيّة. من الواضح إذن أنّ قدم صفة الكلام الّذي أكّده الأشاعرة تطبيق لنظريّتهم العامّة في الصّفات.
اعتبر الأشاعرة الله متكلّما في الأزل، لأنّ تصوّر العكس يعني في رأيهم وصمه بالنّقصان. واعترض الإباضيّة بأنّ السّكوت غير العجز المطلق عن الكلام، وأنّ وصفه بالمتكلّم يعني نفي الخرس عنه، ولا يمكن أن يكون الكلام الّذي تحقّق في الزّمان بنزول الكتب إلاّ محدثا مخلوقا. ولئن اختلف إباضيّة المشرق والمغرب حول بعض صفات الأفعال كالرّضا والسّخط، فإنّ لا خلاف بينهم حول الكلام إذ كلّهم متّفقون على القول بأنّ القرآن كلام الله كان بعد أن لم يكن، أي هو محدَث. يعود إلى رسالة أبي اليقظان الفضل في وضع أسس نظريّة متينة حول هذه المسألة اعتنقها إباضيّة المغرب ونفوسة وإن كنّا لا ندري ماذا كان صداها عند العمانيّين الّذين لم يذكرهم ونعلم أنّهم كانوا في الأصل يعتقدون أنّ القرآن غير مخلوق.
أظهرت دراسة فحوى الرّسالة عدّة نقاط مشتركة مع المعتزلة، لاسيما البصريّين (النّظّام والجبّائيّ) في الاستدلال على خلق القرآن. لكنّ ما أتيح لنا اكتشافه من خلال المعطيات التّاريخيّة، رغم اقتضاب الإشارات، يسمح بالقول إنّ المسألة طُرحت في المغرب الإباضيّ قبل هذا الإمام عالم الكلام النّصف الأول من (ق 3هـ). هل كانت فكرة خلق القرآن جزءا من التّحصيل الّذي عاد به حملة العلم الأوائل الّذين أرسلهم أبو عبيدة