مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٣٤

(1) - السّالميّ: مشارق أنوار العقول، ج1 ص90 - 91.

(2) - انظر أطفيّش: "من لوازم رؤية الله أن يكون متحيّزا في جهة وأن يكون حالاّ فيها ومتبعّضا وذا لون وجوانب، وذلك يقتضي الحدوث والعجز والجهل والله منزّه عن كلّ ذلك". انظر الرّسالة الشّافية، ص65؛ تبغورين: أصول، ص67؛ الورجلاني، الدّليل، 1 63.

(3) - مثلا كتب القاضي عبد الجبّار: "الشّيء يُرى إذا كان مقابلا وإلاّ في مقابل أو في حكم المقابل"، ذلك ممّا يدعوه أسباب الرّؤية. من جهة أخرى تُعدّ المقابَلة شرطا للرّؤية. ذلك أنّ الشّعاع ينطلق من العين نحو المرئيّ. انظر شرح الأصول الخمسة، ص257. ولا تشذّ عن تلك القاعدة حالة المشاهد الّذي ينظر في مرآة فهو في حكم المقابل "لأنّ الشّعاع ينفصل من نقطته ويتّصل بالمرآة فيصير كالعين ثمّ ينعكس إلى العكس فيرى وجهه كأنّه مقابل له" (ص249). ليس الله في حكم المقابل لأنّ المقابلة والحلول إنّما تصحّ على الأجسام والأعراض.

رغم أنّ علماء بصريّات عربا كابن الهيثم (1) في (ق 10م) بيّنوا أنّ الرّؤية لا تنتج عن انبعاث أشعّة من العين، يرتكز استدلال معظم المتكلّمين الإباضيّة وغيرهم- كالقاضي عبد الجبّار- على تصوّر القدماء الّذي يعود على ما يبدو إلى [أنباذقليس الأقريقنتيّ] (2) الّذي هو من الفلاسفة السّابقين لسقراط. ذهب هذا الفيلسوف إلى أنّ الشّبيه يعرف الشّبيه، والرّؤية مماسّة عن بعد قناتها الشّعاع البصريّ المكوّن من امتزاج النّور بالنّار الحيويّة الصّادرة عن العين. تبنّى أفلاطون هذه النّظريّة وعرضها في [طيماوس] (3): تفيض النّار الكامنة في "حملة النّور"، والّتي هي صنو النّار الخارجيّة، نحو مثيلتها فتمتزج بها، فيتكوّن جسم واحد يلائم جسم الرّائي على طول الخطّ المستقيم الصّادر من العينين، بحيث تلتقي النّار المنبعثة من الدّاخل بالّتي ترسلها الأشياء من الخارج: هكذا أكّد بوضوح تشابه وتجانس الرّائي والمرئيّ، وعبّر عن اتّصالهما عن بعد بفكرة خطّ مستقيم يصل بين العينين والشّيء المرئيّ. وهي


(1) - كان ابن الهيثم (ت 430هـ/1039م) "يرى مثل معاصريه ابن سينا والبيرونيّ أنّ الضّوء ينتقل من المرئيّ إلى العين الّتي اعتبرها بمثابة عدسة"، سيّد حسين نصر: العلوم والمعرفة في الإسلام، باريس، سندباد، ص180.

(2) - "هناك نظريّة على جانب من الأهمّيّة وإن يكن من العسير استشفاف صلتها بما سواها، هي نظريّة الإدراك الحسّيّ الخارجيّ. فالكائنات تصدر عنها إشعاعات أو أبخرة لطيفة فتلاقي المسامّ الكائنة في أعضاء الحواسّ. فإن تكن درجة التّوافق مناسبة دخل الشّعاع إلى المسامّ وتمّ الإدراك الحسّيّ. أمّا الرّؤية فتتمّ عن طريق تلاقي الشّعاع الصّادر عن النّور الخارجيّ والشّعاع النّاريّ المنبثق عن النّار المحتواة في العين". [إميل بريهييه]، باريس (1938م)، ج1 ص67 - 68.

(3) - أفلاطون: الأعمال الكاملة، ترجمة لـ[روبن]، مكتبة لابلياد، ج 2، [طيماوس]، ص462 - 463.

فكرة نجدها عند الكتّاب المسلمين في مفهوم المقابلة بين الرّائي والمرئيّ كشرط للرّؤية. مثلا أحال الجيطالي الرّؤية بناء على انتفاء الاتّصال والانفصال معا عن الله: فهو "ليس بمتّصل فتمسّه صفحات الأجرام ولا

٣٣٤ / ٤٩٤