مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٣٥بمنفصل فتدركه لمحات أبصار الأجسام"، ذلك أنّ الإبصار تناوش من بعيد (انظر أعلاه الفصل 5 والجيطالي: قواعد الإسلام 1: 8).
مع ذلك وقبل الأدلّة العلميّة الّتي قدّمها ابن الهيثم مثلا، اقتنع الأشعريّ وأتباعه بأنّ ظاهرة الرّؤية عمليّة تتمّ في الرّائي، وعارضوا المسلّمة المتناقلة عن تجانس طبيعتي الرّائي والمرئيّ كشرط لها. في الإبانة مثلا أعلن: "أنّ الرّؤية لا تؤثّر في المرئيّ لأنّ رؤية الرّائي تقوم به، فإذا كان هذا هكذا وكانت الرّؤية غير مؤثّرة في المرئيّ لم توجب تشبيها ولا انقلابا عن حقيقة ولم يستحل على الله عزّ وجلّ أن يُري عباده المؤمنين نفسه في جِنانه" (1) لكنّ الكتّاب الإباضيّين لم يأخذوا بعين الاعتبار هذا الاعتراض الّذي يفتح مجالا لإمكانيّة الرّؤية، لأنّها في رأيهم تنافي التّنزيه. يقدّم نقد أبي يعقوب الورجلانيّ للأشعريّ- كما ورد في كتاب الدّليل والبرهان (2) - مثالا لمنهجه الجدليّ في الدّفاع عن العقيدة الإباضيّة.
(1) - لنلاحظْ هنا أنّ الأشعريّة رفعوا هذا التّصوّر عن الرّؤية ضدّ المعتزلة لا باسم نظريّة "علميّة" جديدة في الإدراك الحسّيّ بل انطلاقا من مبادئ كلاميّة قريبة من نظريّة المناسبات، منها قولهم بأنّ مطابقة الإدراكات الحسّيّة للواقع الموضوعيّ تخضع للعادة الّتي هي من الله. يمكن للقارئ أن يتابع هذا النّقاش عند إمام الحرمين الجوينيّ. انظر [لُسياني]، الإرشاد، ص160.
(2) - الورجلانيّ: الدّليل، ص63 وما بعد.
يقول الأشاعرة إنّ دليل جواز رؤية الله وجوده، فكلّ موجود جائز أن يُرى، لذا يجوز أن يُري الله نفسه لكن لا في جنسه، ولا في مكان أو حدّ أو صورة أو شكل بما أنّه لا يوصف بالأمكنة والحدود والمقابلة إذ لا تقابله الأجسام (1). حسب