مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٣٦الورجلانيّ، القولان متناقضان: "القول بأنّ الله يُرى لأنّه موجود وكلّ موجود جائز أن يُرى لأنّه موجود مناقض لانتفاء رؤية الأعراض غير اللّون رغم وجودها". يعني ذلك أنّ الورجلانيّ يعتبر ضمنيّا الوجود كعرض ومن ثمّة يحيل رؤية الله لأنّ العرض لا يُدرَك بالبصر إلاّ إن كان من اللّون: وذلك في الله محال. ردّ الأشعريّة بأنّ الوجود ليس صفة ولا يقتضي حكما أو علّة: فهو في ذاته إثبات. لكنّ الورجلانيّ رفض هذا الاعتراض، لأنّه في رأيه لا يلغي التّناقض، ولا معنى للحديث عن رؤية الله بدون معاني المكان والشّكل والجنس الّتي نفاها الأشعريّ عن الله. لا بدّ كذلك أن يقرّ الخصم بتهافت موقفه، بما أنّ الإدراك أي الفعل الّذي "يلتقط" به المدرِك الأشياء واقع موجود مع أنّه لا يقع في مجال الرّؤية (2)
(1) - بالنّسبة إلى الأشعريّ ومدرسته يجوز أن يُرى الله في الآخرة وفق حديث أجمع عليه الصّحابة يؤكّد أنّ العيون تراه في الآخرة، وذلك ممكن لأنّه نور ولأنّه موجود: "ليس موجود إلاّ وجائز أن يريناه الله عزّ وجلّ وإنّما لا يجوز أن يُرى المعدوم، فلمّا كان الله عزّ وجلّ موجودا مثبتا، كان غير مستحيل أن يرينا نفسه" الأشعريّ: الإبانة، ص16 - 17، الباقلاّنيّ: التّمهيد، ص266، "كلّ موجود يجوز أن يُرى" الجوينيّ، ترجمة [لُسياني] الإرشاد، ص163.
(2) - من السّهل الرّدّ على هذا الاعتراض حسب الجوينيّ: "هل يجوز أن يدرك المدرك إدراك نفسه؟ فالمرضيّ عندنا أنّه يجوز أن يدرك المدرك إدراك نفسه. وإن لم يدركه فإنّما لم يدركه لمانع ينافي إدراك الإدراك" إرشاد، ص163؛ وقد طوّر السّنوسيّ هذا النّقاش الّذي بدأ - بين المعتزلة والباقلاّنيّ؛ انظر [لُسياني]، مقدّمات السّنوسيّ في الإلهيّات، الجزائر، [فونتانا]، (1908م)، ص188 - 190.
تقوم هذه الحجّة على مفهوم انعكاسيّة الإدراك الّتي أكّدها الأشعريّ مستدلاّ على قوله بأنّ ملكة في المدرك قادرة على رؤية نشاطه بفضل "إدراك" خاصّ توجده خارج قنى الإدراك العاديّة بحيث تتيح له إدراك إدراكه. والاعتراض ينمّ عن مكابرة في رأي الورجلانيّ الّذي ردّ بأنّه يلزمه التّسلسل (أي تتالي تلك الإدراكات المنعكسة إلى ما لا نهاية له). من جهة ترتبط حتما هذه