مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٣٨(1) - ردّ القاضي من جهته على الأشاعرة بأنّه لا يجوز قياس الرّؤية على العلم بدون اشتراكهما في العلّة "فإنّ للعلم أصلا في الشّاهد وللرّؤية أصلا فيجب أن يُرَدّ كلّ منهما إلى أصله. فالعلم من حقّه أن يتعلّق بالمعلوم على ما هو به، ولهذا يتعلّق بالموجود والمعدوم والمحدث والقديم، فإن كان معدوما عُلم معدوما، وإن كان موجودا عُلم موجودا، وكذلك الكلام إذا كان محدثا أو قديما، وليس كذلك الرّؤية فإنّها لا تتعلّق إلاّ بالموجود، ولهذا لا يصحّ في المعدوم أن يُرى"، شرح الأصول الخمسة، ص252.
(2) - ترفض النّصوص المدروسة تمثّل الإنسان لله بالرّؤية أيّا كان نوعها: سواء بالعين أو بالقلب. لكنّها لا تعتبر فرضيّة تمثّل عقليّ لله في فكر الإنسان بالرّؤية- وهو أكثر من خلق الله لحاسّة جديدة- بحيث "تصير الذّات الإلهيّة بالنّسبة إلى فكر المبرور تمثّلها معوّضة بذلك بنحو يتجاوز بما لا يقبل المقارنة كلّ تمثّل تلقّاه الفكر سابقا يناسب ضعفه"، انظر قاموس اللاّهوت الكاثوليكيّ 7 (2): مقال الرّؤية الحدسيّة 2360. الحاسّة السّادسة الّتي اقترحها المتكلّمون المسلمون غير "نور المجد" lumen gloriae الّذي افترضه علماء اللاّهوت المسيحيّون. لا يمكن في علم الكلام الإسلاميّ أن يتلقّى الإنسان، حتّى بحاسّة سادسة تضاعف قدرته الطّبيعيّة هذا التّمثّل الفكريّ للذّات الإلهيّة الّذي يفترض تجانسا في الطّبيعة مع الله. يعطي اتّحاد الكلمة الجوهريّ بين الكلمة والإنسانيّة- الّذي هو سرّ في الدّين المسيحيّ- مثالا على هذه الإمكانيّة. قال القدّيس [توما الأكوينيّ]: "بما أنّ الله أراد أن يتجسّد في إنسان، قدّم للإنسان مثالا لهذا الاتّحاد العظيم بين الرّوح الخالق والرّوح المخلوق. ليس مستحيلا أن يتّحد روح الخليقة بالله في تأمّل ذاته بما أنّ الله اتّحد بالإنسان متقمّصا طبيعته" الخلاصة اللاّهوتيّة ص100، 201.
هذا الحلّ الّذي عرضه بعض المفكّرين الممهّدين للمعتزلة كضرار بن عمرو وحفص الفرد (1)، والّذي استبعده معظم المعتزلة (2) جوّزه كذلك ابن حزم (3) لكن رفضه كلّ الإباضيّة (4). نفى عبد الكافي مثلا إمكانيّة حاسّة سادسة باستدلال يقوم على الحذف أي استعراض واستبعاد شتّى الاحتمالات (5). جوّز الخصوم باسم قدرة الله أن يحوّل الأبصار في المعاد عن معانيها كما نعرفها في الدّنيا فيكون مدرَكا بها (6). في ردّه قرّر عبد الكافي أنّ ذلك لا يعدو وجهين: إمّا