مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٣٩

أنّ الله بتحويل الأبصار عن معانيها غيّر صفاتها فلم تبق أبصارا، فبطل القول بأنّها ترى وتبصر ومن ثمّة الحديث عن رؤية، وإمّا أنّه تغيّر في ذاته وتحوّل في صفته فصار لونا من الألوان وشخصا من

(1) - الأشعريّ: مقالات، ج1 ص264.

(2) - فنّده القاضي عبد الجبّار لنفس السّبب الأساسيّ الّذي عرضه أبو عمّار عبد الكافي، وأضاف أنّ ذلك الافتراض لا يقدّم في شيء بما أنّ اختلاف هذه الحاسّة السّادسة مع الحواسّ الأخرى لن يكون أكبر من اختلافها فيما بينها فهي مختلفة في البناء؛ فضلا عن ذلك "لو جاز أن يُرى القديم بحاسّة سادسة لجاز أن يذاق بحاسّة سابعة وأن يُلمس بثامنة ويُشمّ بتاسعة ويُسمع بعاشرة، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا"، شرح الأصول الخمسة، ص252 - 253.

(3) - انظر الفِصل، ج3 ص4؛ كتاب المحلّى، المكتب التّجاريّ للطّباعة والنّشر والتّوزيع، بيروت 1 ملاحظة 63.

(4) - رأينا أعلاه التّحفّظات الواجبة في حالة تبغورين.

(5) - انظر الموجز، ج1 ص418.

(6) - ترتكز فكرة الأشعريّة عن تحويل البصر عن متعلّقه على قولهم بأنّ الله يخلق مانعا يمنع رؤيته وبمقدوره أن يزيله: "فرجْع ذلك إلى استقرار العوائد واستمرارها دون موجبات العقول. فكيف وقد خصّص الرّسل برؤية الملائكة على القرب من صحبهم وكانوا لا يرونهم، إذ الدّهر دهر انخراق العوائد ووضوح المعجزات المجانبة للعادات"، انظر [لُسياني]، الإرشاد، ص167 - 168.

الأشخاص: فيكون مدرَكا بالأبصار، لكنّه يتحوّل إذّاك من صفة القدم الخالق إلى صفة المحدَث المخلوق: وذلك طبعا من المحال.

هناك افتراض ثان، هو أنّ الله يقوّي البصر فيصير بوسعه أن يراه (1). والرّدّ هنا أيضا أنّ القوّة الزّائدة لا تخلو من حالتين. في الأولى تحوّل التّقوية البصرية عن معناها الاعتياديّ (درك الألوان والأشخاص) فتصير بجهة الدّرك للرّوائح والملامس والأذواق والأصوات فلا تبقى عندئذ أبصارا. وفي الثّانية لا تخرج بها التّقوية عن معناها وصفتها وإنّما هي زيادة في قوّة النّاظر: في تلك الحال ليس هناك ما يوجب أن تدرك ما ليس بلون أو ترى ما ليس بشخص، وإنّما تتيح للعين تبيّن الألوان الخفيفة والأشخاص الضّئيلة والصّور المهتزّة كما يستطيع الأسد الرّؤية في الظّلام لحدّة بصره ما لا يرى سواه من الحيوان. لكنّ زيادة قوّة الحاسّة لا تغيّر طبيعتها ولا طبيعة متعلّقاتها (2). أمّا افتراض حاسّة سادسة يحدثها الله للمؤمنين في المعاد يرونه بها فيؤول إلى الأوّل: ما دامت الرّؤية هي درك

٣٣٩ / ٤٩٤