مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٤٠الألوان، يعني تحويل الأبصار عن معناها إبطال الرّؤية.
(1) - قدّم الأشعريّ هذا الافتراض: "لأنّ العين لا تدرك في الدّنيا الأنوار المخلوقة على حقائقها، لأنّ الإنسان لو حدّق إلى عين الشّمس فأدام النّظر إلى عينها لذهب أكثر نور بصره. فإذا كان الله عزّ وجلّ حكم في الدّنيا بأن لا تقوم العين بالنّظر إلى عين الشّمس فأحرى أن لا يثبت البصر للنّظر إلى الله في الدّنيا إلاّ أن يقوّيه الله".
(2) - "كما أنّ النّار إذا قويت قوي إحراقها وتمييزها، وليس من زيادة قوّتها ما يخرجها عن معنى الإحراق والتّمييز، كذلك الثّلج كلّما تقوّى أو كثر قوي تبريده للأشياء وتجميده إيّاها، ولا تخرجه قوّته عن صفته ومعناه" عبد الكافي: الموجز، ج1 ص418 - 419.
يستحيل إذن إدراك الله في أيّ زمان وبأيّة جارحة، سواء كانت العين أو القلب، إذ لو تصوّره القلب للزم التّحيّز وما يترتّب عنه من مقتضيات (1). ولا يلجأ الخصم إلى مهرب الرّؤية "بلا كيف" (2)، فإدراك الله مستحيل في ذاته وأيّا كان الكيف حسب أطفيّش. ورؤيته إدراك له حتّى إن لم نعرف كيفها وعجزنا عن وصفه. نفي المعرفة كنفي الشِّبْه يتعلّق بالذّاتيّ. وكلّ ما يتعلّق بالذّات يتجاوز الإدراك في الدّارين، ولا أحد يجهل قدم الله وتنزّهه عن كلّ اتّصال مباشر بالحادث (3).
في نفس السّياق، قدّم أطفيّش حجّة أخرى: التّضادّ الجذريّ بين الله والحوادث. لفهم فكرته يجب أن نتذكّر أنّ الله في تصنيف الكائنات ليس من جنس المحدَث الّذي ينقسم إلى جسم وعرض (4). لا نستطيع أن ندرك من الله سوى أفعاله في العالم الّتي تجلّي لنا صفاته. هو ضدّ الحوادث بالضّرورة. والحال أنّ الضّدّيّة تُطلق على شيئين موجودين تحت جنس واحد يوجد بينهما تعارض في درجته القصوى بحيث يستحيل تجامع الأضداد في محلّ واحد (5)، فما هو مضادّ للحوادث لا يمكن أن تدركه الحوادث، ومن ثمّة يستحيل مبدئيّا إدراك الله كيفما