مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٦١

كانت تدّعي أنّها قامت بمشيئة إلهيّة ومن ثمّة فإنّ لأفعالها قوّة الأقدار (3)، وهي دعوى يدمّرها تأكيد القدريّة أنّ الحسن من الله والقبيح من الإنسان. ونميل إلى الاعتقاد بأنّ الإباضيّة تجاوبوا مع القدريّة لتفنيدها. كان شعار الخوارج "لا حكم إلاّ لله" بمفرده ردّا كافيا على سلطة بشريّة مغتصبة تدّعي الشّرعيّة. مع ذلك نعلم أنّ رئيسي إباضيّة البصرة جابرا وأبا عبيدة كان يتأرجحان بين سياسة مصالحة وسياسة معارضة علنيّة (4). مع ذلك يبدو لنا أنّ المذهب المتّبع حول القدر لم يكن مستقلاّ عن الموقف من السّلطة القائمة، بل في ما يتعلّق بالموقف من عثمان ذلك ثابت لا شكّ فيه. كما رأينا في المقدّمة، عدّدت رسالة عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بإسهاب أحداث عثمان: في البداية "عمل ما

(1) - الأشعريّ: مقالات، ج1 ص165 - 166، البغداديّ: الفرق، ص74 - 75.

(2) - ألّف الحسن تلك الرّسالة الّتي تُعَدّ أقدم وثيقة حول تلك المسألة بين (75هـ/694م) مقدم الحجّاج إلى العراق و (80هـ/699م) بداية ثورة ابن الأشعث. انظر دائرة المعارف الإسلامية 2، 3: 385، مقال: القدريّة لـ[فان إسّ]. بالنّسبة إلى نصّ الرّسالة انظر [رِتّر]: دراسات في تاريخ التّقوى الإسلاميّة، في "الإسلام"، 21، (1933م)، ص67 - 83.

(3) - من شعراء البلاط الأمويّ من مدح الأمراء بأنّ سلطتهم قدّرها الله في الأزل كما كتب الفرزدق.

(4) - انظر مقال "الإباضيّة" في دائرة المعارف الإسلامية، 2، الجزء 3.

شاء الله بما يعرف أهل الإسلام"، لكنّه نقض العهد، و"إنّ أملك الأعمال خواتيمها" والحال أنّه بعدما جامع أهل الإسلام وعمل بالحقّ "ترك الحقّ وتعاطى كفرا" (1)، فعلم المؤمنون أنّ "طاعته على ذلك طاعة إبليس". لا يجوز أن نرى هنا أكثر من موقف عمليّ أملاه الإيمان تجاه سلطة غير شرعيّة لأنّها جنحت إلى الكفر واستوجبت بذلك إعلان البراءة منها. لكنّ المبدأ القائل بأنّ الأعمال بخواتيمها فهي تعطي حياة الإنسان معناها الحقيقيّ يتلقّى هنا بعدا جديدا: فقد عُقدت علاقة بينه وبين القدر من خلال تقريب حالة عثمان ضمنيّا من حالة إبليس الّذي لم ينفعه شيء من سالف عمله عند المعصية، كذلك جاء في الرّسالة الثّانية بخصوص عليّ: "من

٣٦١ / ٤٩٤