مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٧٣

عند تبغورين (قدرة تُخلق وقت الفعل) وقدّم عنصرا جديدا للتّوفيق بين هذا المفهوم التّقليديّ ومفهوم القدرة الحادثة وفق تصوّره: هو مفهوم العلّة: القدرة في رأيه علّة الفعل ولا تفارق المعلول- منطقيّا. بتوضيحه أنّ العلّة هي القدرة النّاتجة عن صحّة مدارك وجوارح الإنسان

(1) - "الخلق هو ما يتمّ به إيجاد المقدور علما بأنّه تعالى وحده قادر على ذلك، فعل الخلق هو أيضا معنى، هو تعلّق القدرة القديمة بالمقدور. القدير هو الله الّذي له وحده قدرة الإيجاد"؛ نخبة المتين، ص149.

(2) - عُرّف الكسب بأنّه "ما به يكون المقدور، دون أن تكون له (الفاعل) وحده القدرة على ذلك"؛ المصدر نفسه، ص149.

مثل تبغورين، والاستدراك عليه بأنّها سابقة للفعل الّذي اعتبره بلا إعداد ولا امتداد زمنيّ (1)، أبدى نزعة إلى تجاوز إشكاليّة تبغورين الّتي تجرّد الإنسان من القدرة الدّائمة على الاختيار وتفضي إلى تجزيء نشاط الإنسان الفاعل (بإسنادها إلى كلّ فعل استطاعة خاصّة به)، وباتّجاه إسناد تلك الطّاقة المتواصلة إلى الإنسان بتقديم مفهوم العلّة. مع ذلك استمرّ في تأكيد الموقف التّقليديّ في التّفريق بين استطاعة الإيمان واستطاعة الكفر.

عند الكاتب عبد العزيز الثّمينيّ (ت 1223هـ/1808م) نشاهد تطوّرا واضحا نحو الجبر. تحدّث لا محالة عن قدرة الطّاعة في الإنسان، لكنّ الله هو الّذي يبعثها في من يشاء أن يقوده إلى مرضاته ومحبّته، كذلك هو الّذي يخلق "قدرة المعصية" في من يخذله ويقصيه عن مرضاته. الحتميّة مطلقة: فهو يعطي من شاء له السّعادة وعده الّذي قرّرته إرادته في الأزل (2).

دعم كذلك كاتبان من (ق 20م) الموقف التّقليديّ. فقد رأى السّالميّ أنّ الله يخلق الفعل للإنسان لحظة اختيار الإنسان له، لحظة صرف قدرته إليه ليكسبه، هكذا يكسبه العبد ويوجده الله (3). كذلك أخذ سعيد بن عليّ التّعاريتيّ على بعض

٣٧٣ / ٤٩٤