مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٧٤الأشاعرة "المتأخّرين" كإمام الحرمين الجوينيّ وأبي إسحاق الإسفرائينيّ قولهم، على غرار المعتزلة، بأنّ أفعال الإنسان يوجدها تظافر قدرتي الله والإنسان، لأنّ التّأثير والإيجاد في رأيه من اختصاص الله ولا يجوز أن يُنسبا إلى غيره. وأفعال الإنسان منسوبة إلى الله من حيث الخلق والاختراع (4). مع ذلك عرّف في موضع آخر الكسب بالعلاقة بين القدرة والفعل (5).
(1) - نخبة المتين، ص161.
(2) - الثّمينيّ: شرح النّور، ص152.
(3) - السّالميّ: شرح أنوار العقول، ص141.
(4) - التّعاريتيّ: المسلك المحمود، ص57.
(5) - "مقارنة قدرته إيّاه"، المصدر نفسه.
تُظهر دراسة فكرة خلق الأفعال ثبات تأكيدات المتكلّمين الكبار الأوائل (ق 6هـ/12م). رغم ذلك يجب ألاّ نغفل محاولات عدّة كتّاب تجاوز النّظرة التّقليديّة إلى الكسب كإضافة الفعل إلى الإنسان من منظور فقهيّ ومن الخارج بوجه ما، مع تأكيد الاختيار (ضدّ الجبريّة) لكن دون إثباته حقّا بأدلّة مقنعة. لا شكّ أنّ فكرة قدرة تُخلق للعبد لحظة الفعل عاقت منذ البداية انطلاق فكر العلماء الإباضيّين. وتُظهر محاولات، كالّتي قام بها السّدويكشيّ أو الثّلاثيّ، مفكّرين يتلمّسون الطّريق إلى حلّ يوفّق بين هذه المسلّمة وإمكانيّة اختيار حقيقيّة دائمة أو على الأقلّ سابقة للفعل. أثرت الفكر الإباضيّ تيّارات خارجيّة كالأشعريّة والماتريديّة والاعتزال (الّذي لم تمنع محاربته استعارة أفكار منه)؛ مثلا بتحليل الآليّات النّفسيّة لعمليّة الاختيار كتحاليل الغزاليّ الدّقيقة حول التّرجيح، ومصطلحات مستجدّة استعارها المتكلّمون الإباضيّون كالعلّة ولاسيما القدرة الحادثة، هذا المفهوم الّذي تبنّوه في فترة متأخّرة وأبان خصوبة غير مكذوبة بما أنّ كاتبا حديثا كالتّعاريتيّ دمجه في تعريف الكسب. لا شكّ أنّ الرّجوع إلى مزيد