مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٨٣تتمثّل هذه الطّريقة في التّدرّج بالخصم إلى نتائج مقالته عبر سلسلة من الأسئلة في كلّ منها خيار بين بديلين، وجرّه إلى مناقضة نفسه أو إلى القول بمحال أو ببدعة. مثلا يؤول القول بأنّ العباد خالقو أفعالهم إلى تأكيد أنّهم خالقو أشياء حادثة، وإن كانت تلك الحوادث لا تدلّ بحدوثها على حدوث من حلّت به ووُصف بها فالعباد محمودون على أن جعلوا أفعالهم تدلّ على حدوث الأجسام، فينبغي أن يكون العاصون محمودين على معاصيهم. لكن أيّ عاقل يزعم ذلك؟ استخدم الكاتب أسلوبا مماثلا ليبيّن أنّ الأفعال عاجزة محتاجة ملازمة للفناء غير مدرَكة بالحواسّ (2).
2 - ثبات هيئة الأشياء
الفعل الإنسانيّ بالضّرورة مخلوق، مؤلّف من حركة وسكون: تلك بنية لا يستطيع أحد أن يبدّلها بحيث لا تكون الحركة حركة والسّكون سكونا ولا تكون العلاقة بينهما اختلافا وتضادّا. أساس الحجّة بقاء الأفعال على هيئة لا تتغيّر واقترانها بتأثيرات ثابتة مستقلّة عن إرادة الإنسان. هي لا تتوقّف على وعي الفاعل بأنّه في حالة تحرّك أو سكون. بل ينطبق ذلك على العباد والبهائم سويّا، وأضاف الكاتب في شيء من السّخرية: "بل قد وجدنا كثيرا ممّن ينتحل العلم وهو لا يعرف أنّ الحركة غير المتحرّك لكثرة أقاويل المختلفين في ذلك.
(1) - ربّما قصد بالطّائفتين 1 و2 بعض المعتزلة الّذين اتّخذوا مواقف قريبة ممّا ذكر بخصوص الأفعال المتولّدة كما أشار عبد الجبّار: الأولى أتباع الجاحظ والثّانية أتباع النّظّام ومعمّر وثمامة بن الأشرس. وقد ردّ عليهم عبد الجبّار: شرح الأصول الخمسة، ص387 - 389، وعبد الكافي: الموجز، ج2 ص23.
(2) - عبد الكافي: الموجز، ج2 ص27 - 29.
قد يعترض القدريّة بأنّه لا يجوز الحدّ من قدرة الله بإنكار شمولها جعل الأفعال والأشياء بخلاف ما هي عليه، مثلا جعل السّكون متعبا مؤلما وجعل الحركة منها