مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٨٧

الطّاعة من العاصين؟)

يرى المعتزلة أنّ الإرادة عين الأمر بالطّاعة، ولا يجوز أن يأمر الله بشيء وهو له غير مريد. وهي من الله فعل، فهو مريد بإرادة محدثة موجودة لا في محلّ (1). وبخلافهم يؤكّد الإباضيّة أنّها صفة في ذاته واجبة له، تتمثّل في نفي الاستكراه (أو الكراهة) عنه: فهو مريد لم يزل. لا ينكرون أن يقال إنّ الله أراد الطّاعة من عباده على معنى أمرهم بها، وليس ذلك بصفة له في ذاته، الّتي هي نفي الاستكراه عنه. يعترض المعتزلة: إن كان الله مريدا لم يزل، وإن كانت إرادته نفي الاستكراه، لزم أن يكون "لم يزل" فعلا ليُنفى بالكره (2). ردُّ عبد الكافي هو أنّ اعتراضهم لا أساس له، فالكره لا يتقدّم الوقت الّذي يكون فيه الفعل كما لا يتقدّم الجهل الوقت الّذي يكون فيه المعلوم، فانتفى أن يكون في الأزل ما لا يكون. في ردّه يتفادى التّناقض الّذي أراد المعترض الزّجّ به فيه (فكرة أزليّة هي في نفس الوقت آنيّة)، ويرفض اعتبار نفي الاستكراه عن الذّات نفي شيء موجود، ويستبعد في نفس الوقت الفكرة الثنوية- فكرة خالق مع الله في الأزل يستكرهه أو يحدث له مانعا يكون من أجله مستكرها على كون ما يكون من فعله.

(1) - عبد الجبّار: شرح، ص440.

(2) - عبد الكافي: الموجز، ج2 ص74.

تظهر من جديد صعوبة التّوفيق بين أزليّة الإرادة باعتبارها صفة ذاتيّة وحدوث الفعل عند النّظر في الأمر. يرى المعتزلة أنّ الإرادة الّتي هي فعل الله تطابق أمره: إذ لا يجوز أن يأمر الله بشيء وهو لا يريده، وإرادته لأفعال العباد

٣٨٧ / ٤٩٤