مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٨٩

تكن تُدخل في اعتبارها محدِثا أوّل. هل فتح عبد الكافي بذلك التّحليل المجالَ لنظريّة العلل الثّانية القائلة بأنّ الأشياء بعضها علل لبعض وهي معلولة لغيرها إلاّ العلّة الأولى أصل الجميع؟ هل لمّح ضمنيّا إلى نظريّة التّولّد الّتي أخذ بها المعتزلة وأنكرها أهل الإثبات (3)، أم هل استخدم ببساطة أسلوب محاجّة الخصم بكلامه (من فمك أُدينك)؟ يصعب البتّ في ذلك، لكنّ قوله يبدو على أيّة حال غريبا بلا أدنى شكّ.

هناك اعتراض شبيه الصّيغة يقوم على أزليّة الأوقات. القول بأنّ الله لم يزل مريدا للأشياء يعني أنّه مريد لأن تكون في أوقاتها. والحال أنّه لم يزل مريدا لكون الأوقات. فما بال الأوقات لم تكن لم تزل؟ الجواب هو أنّ الله أراد أن تكون الأوقات أوقاتا للأشياء الكائنات فيها. فبطلت أزليّة الأوقات بدون الكائنات (4).

(1) - في عصر عبد الكافي لم يكن الإباضيّة قد أدخلوا إلى مذهبهم مصطلح المرجِّح الّذي يسمح حسب السّالميّ بميل الإرادة إلى أحد الممكنات وتخصيصها دون أن تفقد طابع الصّفة الذّاتيّة، انظر الفصل 7 ملاحظة 133.

(2) - الموجز، ج2 ص75.

(3) - الأشعريّ: مقالات، ج1 ص78 - 83.

(4) - الموجز، ج2 ص76.

هل أراد الله أن يُعصى؟ إن أُريد ذلك بمعنى الأمر بالمعصية فلا، لكنّه أرادها بمعنى جعلها خلافا للطّاعة غير مستكرَه على أن تكون المعصية من العصاة. كما أنّ إضافة المعصية إلى الله وإلى الإنسان هي على وجهين مختلفين، فسد أن يقال إنّ الله أراد أن يُعصى وجاز أن يقال إنّه أراد المعصية من جهة أنّه خلقها (1). هل أراد الله الطّاعة من العاصين؟ نعم من جهة أنّه أمر بها. الإرادة الّتي هي صفة ذاتيّة غير الأمر الّذي هو فعل (2). وجائز أن يأمر الله بما لا يريد، كما هي الحال في أبي

٣٨٩ / ٤٩٤