مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٩٦

يتّفقوا على رأي موحّد: لم يحصل إجماع حول خلق الله لأفعال العبد، وأخذ الحارثيّة- وهم فرع من الإباضيّة- برأي المعتزلة في الاستطاعة.

كان يمكن أن تقارب بين الإباضيّة والقدريّة معارضتهم لسلطة جائرة- من ذلك إدانة عثمان- لكنّ المذهب الإباضيّ نحا في الواقع في اتّجاه مضادّ للقدريّة كما تشهد عقائدهم وكتاباتهم وردود متكلّميهم على القدريّة. عارض الإباضيّة الجبريّة نافين قسر الإنسان على أفعاله لمنافاته العدل، وأكثر منهم القدريّة وخلفاءهم المعتزلة (مع القرن بينهما أحيانا كما في عقيدة عمان) رافضين القول بأنّ الإنسان خالق أفعاله. بتأكيدهم باستمرار أنّ "الله خالق كلّ شيء"، ومن جهة أخرى أنّ للإنسان اختيار أفعاله واكتسابها الّذي هو أساس التّكليف حاولوا الأخذ بالوسط والجمع بين الطّرفين، لكنّهم ركّزوا أكثر على العنصر الأوّل. وقد بيّنت دراستنا لتطوّر مبحث خلق الأفعال، على إيجازها، الجهود لإبراز حقيقة الاختيار، والحذر عند إدخال مصطلحات جديدة والتّأكّد من أنّها لا تمسّ عموم القدرة الإلهيّة، شأن القدرة الحادثة المخلوقة للإنسان.

حرص الكتّاب الّذين شملهم مسحنا بالأخصّ على التّمييز بوضوح تامّ بين فعلي الله والإنسان: ليست العلاقة بينهما تبعيّة ولا شركة أو تعاون قدرتين لإنجاز فعل (على الأقلّ من وجه واحد كما وضّح عبد الكافي) وإلاّ وقعنا في الشّرك، وإنّما ينتج الفعل من تدخّل فاعلين على وجهين مختلفين: فهو لله خلق وإيجاد أي إخراج من العدم إلى الوجود، وكسب للإنسان الّذي لا يملك التّأثير على الفعل حقّا وإنّما دوره التّحرّك والطّاعة والإيمان الخ. وهو لا يفعله بدون الله الّذي قدّره وعلم في الأزل ماذا يكون (أطفيّش). أكّد عبد الكافي في جملة من

٣٩٦ / ٤٩٤