مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٣٥سمح بقاء الباب مفتوحا باستمرار أمام الاجتهاد بتحصين المذهب الأصل ضدّ الفتن، وحدا كذلك إلى البحث عن سبل جديدة وأتاح استعارة مصطلحات من الفرق الأخرى مع تطويعها لخدمته- وإن كان بعض منها أُدخل في فترة متأخّرة. في كلّ العصور تبيّن أجوبة علماء الفرقة على أسئلة طرحها الأتباع نشاطا فكريّا كثيفا سواء في مرحلة الظّهور أو في مرحلة الكتمان، فقد استمرّ تبادل الآراء في الدّار الإباضيّة بلا انقطاع. ولم يكن الإباضيّة الّذين ذهبوا إلى السّودان والأندلس وصقلّية وحتّى إلى الصّين دون السّنّة في طلب العلم الّذي لا يعرف حدودا. قدّمت كذلك سلسلة نقل العلم عبر العصور معلّمين يكفلون مصداقيّة الإيمان الموروث، ولم تعدم الإباضيّة في كلّ منعطف هامّ من تاريخها "أقطابا" راسخين في العلم لإحياء علوم الدّين. يفسّر هذا التّواصل مع الماضي والمرجعيّة الّتي أكسبها أولئك العلماءَ علمُهم الغزير المصداقيّة الّتي حظيت بها عقائدهم.
كان على الإباضيّة بوصفهم أقلّيّات دينيّة- فيما عدا فترات محدّدة كإمامة تيهرت- تطوّقهم دول قويّة تعتنق عقائد مخالفة لمذهبهم، مهدّدة أو منتصرة (كالخلافة الفاطميّة المؤسّسة على المذهب الإسماعيليّ)، أن يحموا مذهبهم الأصيل بتأكيد خصوصيّاتهم. مثلا وللاقتصار على التّيّارات المهيمنة، رغم اتّفاقهم مع المعتزلة حول عدد من أمّهات القضايا (التّوحيد، الصّفات، العدل، الوعد والوعيد، استحالة رؤية الله، خلق القرآن، حقيقة الإيمان … ) ممّا يقرّب بين الفرقتين، عارضوهم في مسائل أخرى كالقدر والاستطاعة ومنزلة صاحب الكبيرة والأسماء والأحكام، ورفضوا فكرة حجّة الله العقليّة السّابقة للشّرائع والأسس العقليّة للإمامة وفلسفة الطّبائع الّتي تبنّاها بعضهم. ولمّا هيمن بعدهم