مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٤٥المجادلون عن اللّمز وتقويل الخصم ما يعدّونه نتيجة مقالته والشّتم في هذه الجدالات حيث يتقاذف المعسكران آيات القرآن ضاربين بعضها ببعض، وتفضي هذه المشادّات أحيانا إلى معارك بين أتباع الفرق. وفي الحقيقة ليس بين فنون الحجاج الّتي ذكرنا ما لا نجد عند المعتزلة أو الأشاعرة: في خشب الخصم تُثقف السّهام.
ينبني هذا الأسلوب الجدليّ على قاعدة منهجيّة ضمنيّة تتمثّل في إبراز المعنى البيّن للآيات: الإباضيّة قريبون من ابن حزم في إثبات المعنى الظّاهر، لكن يعدّل هذا المبدأ عندهم استخدامُ التّأويل في حال الآيات الّتي تبدو متناقضة لأوّل وهلة لأنّ لا تناقض في التّنزيل. يقوم منهج التّأويل الّذي عمل به الإباضيّة منذ البداية (1) على الاقتصار على ما قوله في الذّات الإلهيّة سائغ ونبذ ما يتضمّن التّشبيه. أمّا التّأويل الباطنيّ على طريقة الشّيعة فمرفوض عند الإباضيّة جملة وتفصيلا. انفرد أبو سهل يحيى بإقرار قيمة محدودة لهذا النّوع من التّأويل في السّعي إلى استخراج المعنى الرّوحيّ الكامن في القرآن ضمن معان متعدّدة. في حالة الشّكّ الأسلم الاعتماد على إجماع السّابقين الّذي يشكّل أحد الضّوابط الّتي تحول دون انحراف الرّأي الفرديّ، لذا لا يتنافى مع الاجتهاد قدر ما من التّقليد. يقدّم كلّ كتّاب الإباضيّة القرآن على الحديث (الّذي يعطونه أهمّيّة دون تلك الّتي يسندها إليه الحنابلة)، والشّريعة على العقل (الّذي له عندهم دور دون ذلك الّذي أسنده إليه المعتزلة): الحقّ هو ما أتى من الله، وهذا لا يمنع من الإحالة أحيانا إلى الواقع الموضوعيّ (عبد الكافي) لكن في مجال أضيق ممّا عند المعتزلة.