مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٤٦

(1) - والّذي سبقوا إليه المعتزلة على ما يبدو. انظر أعلاه الملحق 1 عن أصول الدّين للفصل 6.

توحيد الإباضيّة (أصول الدّيانات 1) قريب جدّا من توحيد المعتزلة. وقد رأينا أنّهم دافعوا بقوّة كالّتي دافع بها المعتزلة، ضدّ المجسّمة والمشبّهة، عن التّنزيه، أي إفراد الله عن الخلق وتأكيد علوّه على كلّ شيء، إذ "ليس كمثله شيء" (42: 11)، وما هو بجوهر ولا جسم ولا عرض. يمكن الاستدلال على وجوده باللّغة والعقل والطّبع وخاصّة بالشّرع. يُظهر التّدليل أنّ الله أصل حدوث العالم، وأنّه علّته الأولى ومحدثه، ضدّ الدّهريّة القائلين بقدمه. لا يرتكز وجوب معرفة الله على العقل (كما عند المعتزلة والنّكّاريّة والحسينيّة: أصول الدّيانات 9) بل على الشّرع (كما عند الأشعريّة).

مع المعتزلة يرفض الإباضيّة التّمسّك بحرفيّة النّصوص على طريقة الحنابلة، منكرين حقيقة الصّفات الجسمانيّة ومؤوّلين عين الله ووجهه ويده وعرشه كما جاء في الآيات المشبّهة، لإبراز معانيها المجازيّة وفق مبدأ أساسيّ هو أنّه ليس كمثله شيء. وأنكروا مقولة البلاكيف الّتي حاول بها الأشاعرة الحفاظ على حقيقة الصّفات المذكورة دون الوقوع في التّشبيه الفجّ. والظّاهر أنّ إحالة رؤية الله يعود إلى أصول الفرقة إن صدّقنا الرّوايات الّتي أوردها الرّبيع بن حبيب لكنّها وصلتنا بترتيب الورجلانيّ ثمّ "ترتيب التّرتيب" الّذي قدّمها طبقا له أطفيّش. وهو على أيّة حال ينسجم مع إطار التّوحيد العامّ الّذي بمقتضاه ليس كمثل الله شيء ومن ثمّ يستحيل تحيّزه وإدراكه في الدّنيا (القول بإمكانيّته شرك) وفي الآخرة (القول بذلك نفاق) سواء بالعين أو بحاسّة سادسة أو بالقلب، وامتناع رؤيته من وجوه كماله وبه امتدح نفسه. لذلك صاغ الإباضيّة لاهوتا سلبيّا بالأساس: فالقول بأنّه عالم أو قادر مثلا يعني عندهم نفي الجهل والعجز عنه. هو عالم

٤٤٦ / ٤٩٤