مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٤٧

ومريد لا بعلم وإرادة بل بذاته (وهي فكرة قريبة من قول أبي الهذيل). كذلك رفضوا فكرة الصّفة المعنى الأشعريّة كحقيقة مغايرة للذّات زائدة عليها، لأنّها تنحو إلى تشييء الصّفة. بهذا المعنى ينبغي أن نفهم نفيهم الغيريّة (تغاير الصّفات والذّات)، فالصّفات عندهم عين الذّات. مع ذلك كشفت دراسة تطوّر نظريّتهم في الصّفات تقاربا مع المدرسة الأشعريّة عند المتأخّرين يظهر في تصنيف الصّفات واعتراف تدريجيّ بواقعيّتها كمعان اعتباريّة تسمح بوصف الله بأشياء ثبوتيّة دون مساس بحقيقة وحدانيّته المطلقة.

يستحقّ الإباضيّة بتأكيدهم تلك الوحدانيّة بقوّة أن يُدعوا كالمعتزلة أهل العدل (فقرة 3). وقد أكّدوه ضدّ الجبريّة، وأنكروا أن يثيب الله العبد أو يعاقبه على أفعال قضاها عليه: "إنّ الله لا يظلم النّاس شيئا ولكنّ النّاس أنفسهم يظلمون" (ق 10: 44). ميّز بعض علماء نفوسة بين الجبْل والجبْر، لكنّه فرق لا يعتدّ به الإباضيّة (كما أكّد الشّيخ بيّوض في محادثة). باسم العدل الإلهيّ كذلك وانطلاقا من مبدأ أنّ لا حكم إلاّ لله، يجب قتال الفئة الباغية. لمقتضيات العرض، أُفردت لقضيّة العدل فقرة مستقلّة لكنّها على صلة وثيقة بقضيّة القدرة. تبدو هاتان الصّفتان أحيانا متنافرتين. بإضافة الأفعال إلى الإنسان، على غرار المعتزلة القائلين باختياره لها وبامتلاكه استطاعة دائمة، حرص الإباضيّة على حفظ الاختيار والاكتساب وعلى نفي الجبر والقسر عنه (2). مع ذلك لا يعني الاختيار والاكتساب عندهم نسبة قدرة على خلق الأفعال إليه. في باب القدر والاستطاعة، يعارضون القدريّة والمعتزلة، معتبرين تأكيد القرآن أنّ "الله على كلّ شيء قدير" لا يحتمل أيّ استثناء. بدءا من تبغورين وعبد الكافي، دمج الإباضيّة

٤٤٧ / ٤٩٤