مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٤٨بمذهبهم مفهوم الكسب الأشعريّ (الموجود أيضا في عقيدة نفوسة للجنّاونيّ). وعلى خلفيّة نظريّة المناسبات (الّتي تقول بأنّ الله خالق كلّ فعل، وتنفي امتلاك الإنسان قدرة دائمة) صاغوا مذهبا مناهضا للقدريّة أكثر ممّا هو سنّيّ في مجمله. والحقّ أنّ اتّجاهات البحث عندهم في هذا الباب- كما رأينا في موضوع خلق الأفعال- لم تتّبع خطّا واحدا، وظلّت منفتحة على التّيّارات الفكريّة في المذاهب الأخرى. إجمالا منيت جهود بعض مفكّريهم لتأصيل مفهوم القدرة الحادثة بالفشل. الإنسان وفق نظريّتهم "يفعل" فعله، أي يختاره ويكتسبه، لكنّه لا يملك قدرة التّأثير عليه: فالله هو الّذي يخلق كلّ فعل. مع ذلك لا يرفضون موقف المعتزلة تماما: إزاء قضيّة الشّرّ ذلك الغمر الّذي لا
قاع له حيث يقتضي التّوحيد رفض الثنوية (فكرة إله خالق للخير وآخر أصل الشّرّ)، اختار الإباضيّة حلولا معتزليّة للمسائل المتفرّعة عنها وحيث ينبغي في رأيهم تغليب العدل الإلهيّ: رفض إيلام الأبرياء والاستنكاف من نسبة الشّرّ إلى الله (واعتبار الشّرّ سلبا وتخلية)، بينما مالوا إلى مواقف الأشعريّة في مسائل أخرى (كالرّزق والأجل).
تحديد ما هو خير وما هو شرّ راجع إلى مشيئة الله الّتي يعجز فكر الإنسان عن سبر غورها، وحكمته الّتي جعلت الأشياء في عمليّة الخلق على الهيئة الّتي هي عليها والّتي ليس للإنسان أن يسأل عنها. التّحسين والتّقبيح من الشّرع، وليس الخير والشّرّ كذلك في ذاتيهما كما لا وجود للطّبائع (ضدّ المعتزلة). إرادة الله قارّة لا تتغيّر (ضدّ القائلين بالبداء: الإماميّة وفرقتي الحسينيّة واليزيديّة المنسلختين عن الإباضيّة). الإنسان يفعل بمحض إرادته ما علم الله به قبل أن يكون ودون أن يجبره عليه: وإنّما ييسّره إليه فقط. المآل الأخرويّ- فيما عدا المعصومين أو من