مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٥٥الإباضيّة في بلدان المغرب في عصرنا، حيث نرى
اندماجهم- دون التّخلّي عن خصوصيّتهم- في المجتمع الكلّيّ للدّولة الحديثة.
تبدو لنا العناصر التّسعة الّتي عرضنا نبذة مجملة عنها والّتي هي خاتمة تطوّر تاريخيّ خلاصة للعقيدة الإباضيّة قدّمها أحد أبرز ممثّليها، وتُبرز من خلال تأكيد الفوارق مع الفرق الأخرى محتوى الإيمان الإباضيّ في خصوصيّته. في الأصل كانت النّظرة إلى الإيمان مماثلة لنظرة المعتزلة. وقد عرّفته العقائد بالقول والعمل (1)، من ثمّة رادفت بين الإسلام والإيمان أو بين الطّاعة والإيمان. يعدّ مثلا موقف الجنّاونيّ الّذي أدرج ضمن الإيمان النّوافل امتدادا لأفكار أبي الهذيل والقاضي عبد الجبّار (لكن لا لأبي عليّ وابنه أبي هاشم اللّذين قصراه على الفرائض). ونصّ الكتّاب اللاّحقون على التّصديق بالقلب، بحيث دمج المذهب الإباضيّ في الإيمان عنصر الاعتقاد القلبيّ مع الحفاظ على خصوصيّته الرّئيسيّة: اعتبار أنّ المؤمن الحقيقيّ هو الموفي بدينه. يجوز له إخفاؤه على سبيل التّقيّة الّتي هي غطاء للمؤمن (الجميّل)، وليس ملزما بالهجرة من دار الجور أو الكفر (ضدّ الأزارقة). لا يتيسّر الإيمان للإنسان بدون عون من الله (الجنّاونيّ)، وهو في قلب المؤمن "كمصباح في زجاجة"، ويتجاوز أسلوب المعرفة الإنسانيّ (غيب الإيمان: تبغورين). هو للمؤمن سبيل النّجاة، به يكون في الفرقة النّاجية مع كلّ الحقوق الّتي يضمنها له ذلك الانتماء، وينأى عن الشّرك. هكذا يتميّز المفهوم الإباضيّ للإيمان عن تصوّرات المرجئة (التّقليل من شأن العمل) وجهم بن صفوان (التّأكيد على المعرفة دون الإقرار باللّسان) وأبي حنيفة (الإقرار مع الاعتقاد) وغيلان (الإقرار دون المعرفة)