مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٧٩

أنّ ذلك يعني ترادف مصطلحي الإجماع والرّأي عنده. في كلّ الأحوال، يبدو أنّ القياس لا يُعدّ من تلك المصادر. وقد بيّن [روبِناتشي] جيّدا العمليّة الّتي يُحتمل أنّ الرّأي حلّ من خلالها محلّ الاجتهاد: في الأصل لا تذكر المصادر سوى القرآن والسّنّة وعند الاقتضاء الرّأي. هذا مطابق للحديث الّذي جاء فيه أنّ معاذ بن جبل (ت 18هـ) أُرسل كقاض إلى اليمن، ولمّا سأله النّبيّ عمّا سيعتمد في أحكامه إن لم يجد شيئا في كتاب الله وسنّة رسوله أجاب أنّه "سيجتهد رأيه" (2). أمّا الإجماع فيأتي مصدّقا لتطبيق صحيح للقرآن، ونقل أمين للسّنّة واستخدام موفّق للرّأي. ثمّ ابتلع الإجماع وظيفة الرّأي. وفي طور لاحق فقط استعاد الرّأي، في صيغة القياس المحدودة، قيمة ذاتيّة كمصدر رابع للتّشريع. في عصر الجنّاونيّ لم تكن هذه الخطوة قد خُطيت (3). وأبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلانيّ، معاصر الجنّاونيّ تقريبا، لا يستخدم سوى كلمة العقل ذات المعنى الواسع والّتي لم تأخذ لاحقا معنى فنّيّا واختفت في النّهاية من نظام اصطلاحات الفقه. والكتّاب الآخرون الّذين ذكروا القياس ينتمون إلى عصور جدّ متأخّرة.

(1) - أبو حفص عمر بن جميع: مقدّمة التّوحيد، نشر الحاجّ خليفة بن الحاجّ سعيد الشّيبانيّ، طبعة ثانية، 1392هـ/1973م، 61.

(2) - انظر البرّاديّ: الجواهر ص147. جدير بالذّكر أنّ لدينا 14 فتوى لجابر بن زيد الأزديّ (ت 93 - 104هـ/711 - 722م) قدّم فيها رأيه حول مسائل فقهيّة استشير فيها. انظر [فان إسّ]، بحوث ص17 - 31.

(3) -[روبناتشي]، عقيدة الجنّاونيّ، ص574 - 575.

من جهة أخرى ليس خُلفا اعتبار تعداد هذه المصادر الثّلاثة رفضا لبدعة السّكّاكيّة، وهي فرقة متفرّعة عن الإباضيّة كان أتباعها- القلائل في الواقع- يوجدون في منطقة قنطرارة من بلاد الجريد (بالجنوب التّونسيّ) فقط واختفوا في

٧٩ / ٤٩٤