مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٨٦

منصور يقتلونهم في كلّ مكان حتّى مات منهم عدد كثير فرجع عنهم" (4). إن اعتبرنا أنّ شريعة الذّحل تخضع إلى قوانين غير قوانين الحرب العاديّة، ومع أنّه يصعب أحيانا في معركة تقرير الحدّ الّذي

(1) - "بلغنا أنّ أبا الخطّاب لمّا هزمهم أحسن فيهم السّيرة وأمر أصحابه ألاّ يتبعوا مدبرا ولا يجهزوا على جريح، فقال رجل من لواتة في عسكره: أنأكل من أموالهم كما يأكلون أموالنا ويعتقدون أنّها غنيمة أُحلّت لهم؟ فقال أبو الخطّاب: إن فعلنا كما فعلوا فحقّ على الله أن يرفضنا ويدخلنا معهم جهنّم". الدّرجينيّ: طبقات ج1 ص31.

(2) - مثلا في الحرب بين أبي عبيدة قائد جيش الإمام الرّستميّ أفلح والمنشقّ خلف: "فلمّا رأى أبو عبيدة أنّهم لا يريدون إلاّ نهب الأموال وقتل الأنفس وما قدروا عليه من الفساد غشيهم. وأسرع الموت في أصحاب خلف فانهزموا وقتلت منهم مقتلة عظيمة وأمر أبو عبيدة أصحابه ألاّ يتبعوا مدبرهم وألاّ يجهزوا على جريحهم وأحسن السّيرة فيهم". انظر [مسكراي]: سيَر أبي زكريّا، الجزائر (1878هـ)، ص157 و167.

(3) -[موتيلنسكي]، أخبار ابن الصّغير ص118.

(4) - المصدر نفسه، ص191.

ينتهي عنده القتال وتبدأ الملاحقة، ينبغي إذّاك ردّ هذه الشّدّة المتضمّنة في عقيدة أبي حفص (إن وُجدت أصلا، فهي من جهة أخرى ترخّص ردّ سلاح البغاة إليهم) إلى الحروب المتعدّدة الّتي خاضتها إمامة تيهرت مع منشقّيها، فهي من هذا المنظور وبنحو ما مبرّر العمليّات الانتقاميّة الّتي كانت تلك الحركات التّمرّديّة تستدعيها حتما. بالفعل كانت كلّ عشيرة ذات شأن ولها حصن في تيهرت أو ضواحيها (1) ولا تبادر إلى التّحصّن بها حالما تدور عليها الدّوائر تواجه من ثمّة خطر الإبادة. لكنّ الأمر كان مختلفا بالنّسبة إلى قبائل البدو الرّحّل الّتي كانت تجد قدرا أوفر من الحلم أو الرّحمة (2). قد يكون ذلك ولا شيء سواه سبب الاختلاف بين عقيدتي أبي حفص والجنّاونيّ بخصوص معاملة المتمرّدين.

حكم الجماعة الإسلاميّة (الإباضيّة) أكثر تشدّدا من نظيره السّنّيّ، فقد كان يبيح في حدود الفرقة المناكحة والموارثة والشّهادة أمام القضاء والمساواة في المعاملة (الدّيّة، الصّلاة على الميّت، الخ)، لكنّ ذلك لا يسري على كلّ الموحّدين. مثلا لم يكن يُسمح بشراء أمة من رجل من أهل الخلاف إلاّ في أرض

٨٦ / ٤٩٤