مشارق أنوار العقول (الجزء 2) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

مشارق أنوار العقول ج2 للسالمي

الجزء ١ · صفحة ١٤٥

وأي تقريع أبلغ من هذا التقريع على التمني ما لم يجعل الله سبيلا إليه ولكن رغبات النفوس وأمانيها الباطلة لا يكاد يقف في سبيلها شيء ما لم تسيطر على صاحبها عقيدة مكنية في قلبه مهيمنة على أحاسيسه فكم من عالم فتح لنفسه باب التأويل في الآية فادعى أن المراد بالسيئة الشرك أو إن المراد بالخلود طول المكث جاهلا أو متجاهلا إن الآية جاءت مجتثة لمطامع اليهود في تحديد مدة مسيس النار مقررة المصير الذي ينتظر كل من ارتكب سيئة ولم يتب منها قبل فوات الفرصة ولا عبرة بخصوص سببها مع عموم لفظها وستسمع إن شاء الله ما قاله فيها بعض من طلب الحقيقة فأدركها من محققي المتأخرين هذا وإذا نظرت إلى تقسيم القرآن مصائر البشر يوم الدين لم تعثر في هذا التقسيم إلا على مصيرين مصير إلى الجنة ومصير إلى النار وكلا المصيرين خالد وإن شئت معرفة أصحاب كل منهما فاسمع إلى قول العزيز الحكيم في سورة يونس (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم لفترة ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون والذين كسبوا السيئات جزاء السيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) فإن الآية الكريمة واضحة كل الوضوح في إن أهل الجنة وهم أصحاب المصير السعيد – لا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة وهؤلاء هم الذين أحسنوا فاستحقوا الحسنى وزيادة ومما لا يمكن بحال أن يصلى أحد النار ولو فترة قصيرة وهو لا يرهق وجهه قتر ولا ذلة فأي ذلة أفظع من ذلة العذاب وكيف لا يرهق القتر وجه من يتقلب في الجحيم وبعد حصر أصحاب السعادة في هذا الصنف أتبع بيان أصحاب المصير الآخر مصير الشقاء والويل وأوضح إنهم كسبوا السيئات ولم يقيد هذه السيئات بل أطلقها وبين سبحانه جزائهم المحتوم وأنهم لا ينفكون عن هذا الجزاء بل هم فيه خالدون. (

١٤٥ / ٣٨٤