مشارق أنوار العقول (الجزء 2) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

مشارق أنوار العقول ج2 للسالمي

الجزء ١ · صفحة ١٤٦

والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) أي أشكال بعد هذا الإيضاح وأي غموض بعد هذا البيان وهل بعد هذا كله مساق للدعوى بأن ثم طريقا ثالثا يشارك كلا الفريقين في مصيرهما ويأخذ حضه في جزاء كل منهما فيصلى أولا النار ثم يتقلب إلى النعيم المقيم وبالجملة فإن الآيات القرآنية ليس فيها ما يشير ولو من بعيد إلى الخروج من النار وإنما جاء كثير منها في الخلود لمطلق أهل الكبائر وقد أدرك هذه الحقيقة التي لا غبار عليها جماعة من أهل التحقيق من المتأخرين يحضرني منهم الإمامان الكبيران محمد عبده ومحمد رشيد رضا وذلك صريح في غير موضع من كلاهما في تفسيرهما القيم (المنار) ومن ذلك ما قالا في تفسير قول الله تعالى (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئة فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) فقد قال الإمام للسيئة هنا إطلاقها وخصها مفسرا – الجلال – وبعض المفسرين بالشرك ولو صح هذا لما كانلقوله تعالى (وأحاطت به خطيئة) معنى فإن الشرك أكبر السيئات وهو يستحق هذا الوعد لذاته كيفما كان والمعنى أحاطت الخطيئة هو حصرها لصاحبها وأخذها بجوانب إحساسه ووجدانه كأنه محبوس فيها لا يجد لنفسه مخرجا منها يرى نفسه حرا مطلقا وهو أسير الشهوات وسجين الموبقات ورهين الظلمات وأن تكون الإحاطة بالاسترسال في الذنوب والتمادي على الإصرار قال تعالى (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) أي من الخطايا والسيئات ففي كلمة (يكسبون) معنى الاسترسال والاستمرار وران عليه غطاه وستره أي أن قلوبهم أصبحت في غلف من الظلمات المعاصي حتى لا يبق منفذ للنور يدخل إليها منه ومن أحدث لكل سيئة يقع فيها توبة نصوحا وإقلاعا صحيحا لا تحيط به الخطايا ولا يعين على قلبه السيئات روى أحمد والترمذي والحكم وصححاه والنسائي وابن ماجة وابن حبان وغيرهم من حديث أبي هريرة أن النبي

١٤٦ / ٣٨٤