مشارق أنوار العقول ج2 للسالمي
الجزء ١ · صفحة ٣٦٦(وذهب) آخرون إلى التفصيل فقالوا: إن تاب هذا المستحل وفي يده شيء من المغتصبات قائم العين لزمه رده إلى أربابه وإن تاب وليس في يده ما هو قائم العين فلا غرم عليه وكأن هؤلاء نظروا إلى قوله تعالى ((يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر))([9]) وإلى قوله تعالى ((وما جعل لكم في الدين من حرج))([10]) وجه الاستدلال بهاتين الآيتين إن من كان مستحلا لشيء لا يكاد يتوقف عنه عند القدرة عليه فهو منهمك فيه ومتهور منه فإن ظهر له خطأه وأراد التوبة منه لا يكاد أن يتيسر له الخلاص منه لعظم ما أتلفه فحصلت له المشقة والحرج ولا مشقة ولا حرج عليه في رد ما كان في يده فظهر الفرق عند هؤلاء، وعلى هذا المذهب عولت في النظم ثم ظهر لي بعد ذلك ضعف هذا القول ووجه ضعفه أن علته هذه غير مطردة لأن من تهور من شيء وهو منتهك له لزمه غرمه اتفاقا سواء شق عليه ذلك أم لا، فلو كان شدة العسر ووجود المشقة رافعين للضمان لرفعاه عن هذا المنتهك المتهور أيضا؛ فظهر أن العلة الرافعة للضمان إنما هي الاستحلال مطلقا أو مقيدا بالتوبة، كما هو عند أهل القول الأول أو الشرك مطلقا أو مقيدا بالإسلام كما هو عند أرباب القول الثاني، وإذا دار الأمر بين ترجيح المذهب الأول والثاني قلنا: إن الراجح أن العلة الرافعة للضمان هي الشرك بقيد الإسلام فلا يكون ما اغتصبه المشرك ملكا له حتى يسلم عليه لما مر، ولا يشترط في المشرك أن يكون مستحلا لما اغتصبه لما صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حط ضمان ذلك عن جميع المشركين من أهل الكتاب أو غيرهم ولا شك أن أهل الكتاب يعرفون حقيقة محمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: ((الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم))([11]) ومن عرف الحق لا يعتقد حل معاندته ولا قتال أهله ولا يستحل أموالهم فظهر بحمد الله أن العلة في ذلك هي الشرك بقيد الإسلام. ولا يعترض علينا بحط المسلمين للضمان عن عائشة فيمن قتل يوم الجمل وبقولهم إن