الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٠٧الفلاني محال لتوقفه على محال، وهو فراغ ما لا نهاية له بالإعطاء شيئا بعد شيء، ولا ريب إنما ادعوه من حوادث لا أول لها مطابق لهذا المثال، فإن أعطاه الفاعل للفلك مثلا الحركة في زماننا هذا وفي غيره من الأزمنة المعينة متوقف على إعطائه قبله من الحركات شيئا بعد شيء إلى ما لا نهاية له، فالحركة للفلك الزمان المعين نظير الدرهم الموعود به في الزمان المخصوص، والحركة التي لا تتناهى قبلها نظير الدرهم التي لا تتناهى قبل ذلك الدرهم، فيكون وجود الحركة للفلك في هذا الزمان مثلا مستحيلا كما استحال وجود الدرهم الموعود به في الزمان المعين للشخص، وكذا يلزم أن يكون وجودنا في هذا الزمان ووجود سائر الحيوانات والزرع مستحيلا لتوقفنا على وجود آباء قبلنا لا نهاية لهم.
وتوقف الزرع على بذور قبلها لا نهاية لها، ولا تخفى على عاقل فضيحتهم.
ومثل الثاني: وهو ما ادعيناه، نحن في نعيم الجنة بما لو قال الملتزم لا أعطي فلانا درهما في زمان ما إلا وأعطيه بعده درهما وهكذا لا إلى غاية، فهذا لا يرتاب عاقل في جوازه إذ حاصله إلزام الملتزم عدم قطع العطاء بعد ابتدائه، فإذا كان ممن لا يعرض لمثله خلف في وعده ولا موت لذاته ولا عجز بنفوذ قدرته وإرادته، فإنا نقطع بوقوع ذلك منه أبدا ونؤمن به، وليس ذلك إلا الله مولانا عز وعلا.
فهذا المثال لا تخفى مطابقته لما ادعيناه من نعيم الجنة للمؤمنين، ولا لما نجعيه من أليم جهنم للفلاسفة القائلين بقدم العالم وإضرابهم من العاصين المصريين ولسائر الكافرين.