الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٥٢لأنه لو جاز لحدثت قبل حال حدوثها أو بعدها، ولكان المتقدم منها متأخر وبالعكس والمتوسط متقدما أو متأخرا أو لكانت متقدمة جميعا أو متأخرة واللوازم باطلة، فكذا الملزوم لاستلزامه الترجيح بلا مرجح، فتعين أن لها محدثا وإن أرادته هي المرجحة كما سيأتي وأنها مفتقرة إليه فإن قال، سلمنا أن لها محدثا ضرورة أنه أثره ووجود الأثر من غير مؤثر محال نفسها لا غيرها.
قلنا: ممنوع لأنه لا يخلو إما أن يكون موجده عند إحداثها أو معدومة، وكلاهما محال أما الأول، فلما فيه من تحصيل الحاصل وأما الثاني، فلأن المعدوم لا يوجد شيئا، فإن زعم أيه كان من جنسها أو من نوعها، قلنا: هو أيضا فاسد لأنه يلزمه من الافتقال إلى المحدث ما لزمها فيتسلسل وسيأتي لمبحث هذا المقام زيادة.
المقصد الثالث: ذهب المنجمون إلى أن العالم العلوى هو المؤثر في العالم السفلى والمدبر له كما مر، قلنا: هو محال لما مر من أن الجسم لا يعقل له فعل في غير محله، ولعل الإنسان هو الذي يؤثر في النجوم ويدبر أمرها ضرورة أنه حي فعال وأنها قوات جماد وهو أولى بذلك وتقول لهم أيضا، أنكم تزعمون أن العالم السفلى إنما يتحرك ويسكن بتحريك العلوى له بجميع أفلاكه فما الذي يحرك الأفلاك، فإن قالوا، تتحرك بما فوقها وهكذا إلى ما لا نهاية له، أحالوا، وأن أثبتوا النهاية، واعترفوا بالغاية، أقروا بالحدوث وبأن العالم بأسره متناه، وكل متناه حادث.
وذهب الطبائعيون إلى أن الأشياء لنما تتكون عن الطبائع الأربع، التي هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، فيقال لهم: أهي حيوان