الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٥٤متكاثف راسب والهواء بضد ذلك ولا يقاوم الأرض الرسوب الثقيل المتكاثف في الخفيف الحواري اللطيف، ودلهم على أنها في الهواء بزعمهم وجودهم على ظهرها الملاقي للهواء، فزعموا أنها تلاقيه من كل ناحية.
قلنا لهم: أما قولكم لم تزل ولا تزال فهو فاسد، أما الأول فلا قتضائه قدمها الذي هو معتقدكم، وقد قام البرهان القاطع على حدوثها، وأما الثاني، فقد ناظرهم فيه بعض الحذاق فأفحمهم، وذلك أنه قال لهم، هل الريشة أثقل أم الأرض بما فيها وما عليها؟ فقالوا الأرض، فقال لهم: ما بال الريشة الملقاة من على السطح أو جبل تصل الأرض ولم تفتها إذن، فبهتوا ثم يقال لهم أيضا، ألستم ترون الريح تحمل أجساما ثقيلة فترفعها إلى الجو، فقالوا: بلى، فيقال: ما تنكرون أن يكون شيء أقوى وأعظم من الريح يرفع الأرض من تحتها ويحملها في الجو فلم قلتم أنها لم تزل ولا تزال تسفل وتهوى دون أن تقولوا: تتصاعد وترفع.
المقصد الخامس: زعمت المنانية أن الأشياء تكونت عن أصلين قديمين هما النور والظلمة وأنهما عرضان، وقيل جسمان حيان فعالان حساسان، وأنهما لم يزالا مفترقين حتى بغت الظلمة على النور فمازجته فتكونت عن ممازجتها الأشياء، فحدث عن النور كل خير وعن الظلمة كل شر قلنا لهم: لا تخلو مفارقتها قبل الممازجة من أن تكون طبيعية أو اختيارية وكلاهما فاسد، أما الأول، فلما عرفت، وأما الثاني، فلدعوى الافتراق قبل الامتزاج، ولعله كان بعده ولم يشعروا به.
فإن قالوا: إنما كان قبله لأنها أمران متغايران بحسب الذات أبطلوا الممازجة كما لا يخفى ضرورة أنهما لم يزالا مفترقين على زعمهم، وإذا