الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٦٩أهلكهم الله لمعبودهم، فإنهم اعتقدوه جوهرا أي أصلا للأقانيم وذلك لأنه عندهم ثلاثة أقانيم، أقنوم الوجود ويعبرون عنه بالأب، وأقنوم العلم ويعبرون عنه بالابن والكلمة، وأقنوم الحياة ويعبرون عنه بالروح القدس، ثم قالوا، إن مجموع الثلاثة إله واحد، فجمعوا كما ترى بين نقيضين وحدة وكثرة، وجعلوا الذات تتركب من مجرد أحوال لا وجود لها، أو وجوه واعتبارات لا توجد إلا في الأذهان، وذلك غير معقول العاقل، والأقنوم، كلمة يونانية والمراد بها في تلك اللغة، أصل الشيء ويعني بها النصارى الأصل الذي كانت منه حقيقة آلهتهم، وقد طولبوا في دليل الحصر في الثلاثة.
فقالوا: لأن الخلق والإبداع لا يأتي إلا بها، فقيل لهم وكذا الايرادة والقدرة لا يتأتي الخلق أيضا إلا بها، فأجابوا بأن الأقانيم خمسة، وإذا استحال في حقه تعالى أن يكون جرما استحال وصفه بالصغر والكبر، اللذين هما من صفات الإجرام، ويستحيل عليه تعالى أيضا التغير مطلقا، ويجب له القيام بنفسه، بمعنى أنه لا يفتقر إلى محل ولا إلى مخصص، أما عدم افتقاره إلى مخصص فلوجوب القدم والبقاء لذاته تعالى وسائر كمالاته التي هي عين ذاته كما ستعرفه، وأما عدم افتقاره إلى محل فلوجوب اتصافه تعالى بالصفات الكاملة من العمل، والقدرة، والإرادة، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام، والرضا، والسخط، والولادة، والعداوة، وسائر الكمالات على ما سنحرره، إذ لو كان مفتقرا إلى محل لكان صفة، والصفة لا تتصف بشيء من ذلك، وأيضا لو كان مفتقرا إلى محل لم يكن بالألوهية أولى