الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٨التضاد والتنافي مع تعدد المحال، فإنه إذا اتحد محلها، لزم تداخل الأجرام وهو محال، إذ لو جاز ذلك لجاز وجود جملة العلم في حيز خردلة، وإن بقيت صورتها وجب بقاء الأمرين فيها على ما كان قبل الامتزاج فإن قالوا: الماء الحار إذا لاقى الماء البارد مثلا اكتسب الحار من صورة البارد، وبالعكس فتحصل كيفية ثالثة، وهي كونه فاترا، قلنا: تأثير إحدى الكيفيتين في الأخرى إن كان في زمان واحد لزم أن يجامع وجود كل واحد منهما عدمه، ضرورة أن المؤثر لا بد له أن يكون حاصلا حال حصوله أثره، فكيف كل واحد منهما من حيث كونه مؤثرا موجود؟ ومن حيث كونه أثرا معدوم؟ وإن كان على التعاقب وجب وجود الأول، حال عدمه لتحقق إعدامه الثاني وهو محال اتفاقا، كذا قال بعضهم ثم قال غيره عقبه، ولو فرض وجود الأول بعد عدمه، وأنه أعدم الثاني، لزم أيضا أن يوجد الثاني بعد عدمه ليعدم الأول، ويتسلسل فلا تحصل الكيفية الثالثة أبدا.
ومما يبطل مذهب الحكماء القائلين بالتعليل النافين عن الصانع الاختيار والإرادة، أن يقال لهم: ما بال الأفلاك وقفت على عدد مخصوص، ولم تكن أكثر منه ولا أقل، ولم كانت تلك المقادير المخصوصة ولم تكن أكبر منها ولا أصغر، وما بال الأعلى منها يتحرك حركة واحدة من المشرق إلى المغرب، وباقي الأفلاك تتحرك حركتين إحداهما الحركة اليومية من المشرق للمغرب، والأخرى حركتها في البروج من المغرب إلى المشرق، وما بال الحركات كلها اختصت بما بين المشرق والمغرب، ولم تكن فيما بين الجنوب والشمال مثلا، ولم اختص كل من السبعة السيارة بفلكه المخصوص مع جواز أن يكون في غيره، ولم اختصت سائر الكواكب الثابتة