معالم الدين عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثميني، الملقَّب بـ «ضياء الدين»

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٩٣

المقصد الثامن: إنا نستدل على كونه تعالى عالما، بأنه لو لم يكن عالم لم تكن أنت في ذاتك متصفا بما أنت عليه ممن غاية الأحكام والإتقان ودقائق المحاسن التي لا تنحصر، وبيان الملازمة أنه معلوم بالبديهة أنه لا يحكم الفعل ويبرزه في غاية الكمال وفيما لا يحاط به من أنواع المحاسن، إلا من عالم حكيم غاية الحكمة، وأما الاستثنائية فمعلومة بضرورة المشاهدة ولا يخفى أن عجائب مصنوعاته تعالى مما لا يحيط بها وصف واصف، ومن جوز صدور تلك العجائب مع كثرتها وخروجها عن حد الحصر من جاهل على سبيل الاتفاق كان معاندا للحق جاحدا للضرورة وسقطت مناظرته لخروجه من حيز العقلاء، وقول من قال أنه قد يقع الفعل المحكم من جاهل مرة على سبيل الاتفاق، ولا يدل، فكذلك يجب أن لا يدل إذا وقع مرات، هو نظير قول القائل إذا لم يفد خبر الواحد العلم فلا يفيد خبر الجماعة، وإذا لم يرو قليل الماء فلا يروي كثيره، وإذا لم تنتج المقدمة الواحدة فلا تنتج المقدمتان، والتسوية في ذلك خلاف الحس والعادة والعقل، فإن قيل: ينتقض هذا الدليل بما يتخذه النحل بغير آلة من البيوت المحكمة المسدسة التي لا يعرف وضع مثلها إلا المهندسون، واختارت خصوصية هذا الشكل لجمعه بين مصلحتين هما قريبة من شكل الدائرة القريبة من شكل النحلة، ولا من معه من فرج تبقى الأشكال ضائعة لغير فائدة، ومعرفة كون الجمع بين هاتين المصلحتين خاصا بهذا الشكل المسدس، مما لا يستخرجه إلا الأذكياء المهندسون بعد سبر اختيار وبحث عظيم، ومعلوم أن النحل من الحيوان غير العاقل، وقد صدر من فعلها ما صدر فكيف يصح مع هذا أن يستدل بأحكام الفعل واشتماله على دقائق الصنع على علم صانعة.