معالم الدين عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثميني، الملقَّب بـ «ضياء الدين»

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٩٤

فالجواب: أنك قد عرفت أنا نعتقد أن الله تعالى منفرد بخلق كل شيء، لا تأثير لغيره في شيء أصلا، وأن الأفعال التي يتصف بها العقلاء وغيرهم كلها مضافة إلى الله سبحانه، خلقا واختراعا، وإن كان بعضها ينسب إلى بعض من يتصف بها كسبا من غير تأثير البتة، وسيأتي تفسير معنى الكسب، فليس في الوجود عندنا إلا الله سبحانه وأفعاله، فالشكل المسدس الذي اتخذته النحل إذن ليس لها فيه تأثير أصلا بل و لا كسب من غير تأثير لما سيأتي في إبطال التولد من امتناع تعلق القدرة الحادثة بغير محلها، وإنما وقوع ذلك الشكل بمجرد خلق الله تعالى واختراعه، وألهم النحل لاتخاذها مسكنا، كما آلهم سائر الحيوانات لمصالحها، فسبحان الذي خلق كل شيء ثم هدى، فهو من جملة ما يدل على عظيم علمه سبحانه، ولو سلمنا أنه من فعلها فلا نسلم أنها غير عالمة به حينئذ بل خرقت في حقها العادة وألهمت علم ذلك، وخلق لها كما خلق للنملة علم سليمان عليه السلام وبجنوده حتى قالت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ 20الآية ثم تعلم دقائق العلوم وخلقها، لمن ليس أهلا لمطلق العلم، فكيف بدقائقه من أول دليل على شرف علمه سبحانه وباهر قدرته ونفوذ إرادته، وانقياد جميع الممكنات لمشيئته تعالى.

وبالجملة فالاستدلال على كونه سبحانه عالما يصح بوجهين الأحكام كما تقدم، وهو أوضح والاختيار ووجه الاستدلال به أن الله تعالى فاعل بالاختيار، والفاعل بالاختيار لابد وأن يكون قاصدا إلى ما يفعله، والقصر إلى الشيء مع الجهل به محال ولا يتصور القصد من الله تعالى إلا مع العلم بالمقصود، وإن كان يتصور من الحادث مع العقد والظن والوهم، فلا يتصور من الله تعالى بناء على الاحتمال وقوع ذلك، على خلاف ما هو عليه وهو نقص يتعالى الله عنه فتعين أن يكون عالما.