الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٩٦الثالث: أن الإتقان في كل شيء بحسب ما أراد الله تعالى منه فيختلف باختلاف الشيء، فالدني باعتبار دنوه والعلي باعتبار علوه، والمتوسط باعتبار توسطه، فمعنى الإتقان إذا: جريان الفعل على وفق الإرادة والعلم، كان ذلك الفعل في نفسه قويا أو ضعيفا، ناقصا أو كاملا أو ضيعا أو رفيعا، وكل ذلك حادث فلا يكون فيه خلل باعتباره ما أريد به، ولا تتبدل عين ذلك، وإلا لبطل الإتقان، كما لو أراد صانع أن يصنع ثوبا دنيا أن يلبسه لمن يليق به مثلا، فغلبه الحال وخرج ذلك الثوب غالبا على خلاف مراده لنسب إلى الخطا، بوجود إتقان الصنعة والعلم بها، وبهذا يكون الأعمى، والأعور، والناقص الأعضاء، أو بعضها، والكافر، والفاسق متفقين، نظرا لما أريد منهم.
الرابع: إنما قلنا دلالة الأحكام أوضح، لأنه يدل على العلم بالضرورة والاختيار، يدل عليه بالنظر كذا قال بعضهم، وقيل كل منهما يدل على العلم بالضرورة، وزعم السعد، أن المحققين من المتكلمين، على أن طرقة القدرة والاختيار أكثر وأوثق من طريقة الأحكام والإتقان، قال، لأن عليها سؤالا صعبا، وهو أنه لم يجوز أن يوجد البارئ تعالى موجودا تنسب إليه تلك الأفعال المحكمة، ويكون له العلم والقدرة، ودفعه بأن إيجاد مثل ذلك الموجود وإيجاد العلم والقدرة فيه، فيكون أيضا فعلا محكما بلا حكم فيكون فاعله عالما لا يتم إلا ببيان، إنه قادر مختار إذ الإيجاد بالذات من غير قصد لا يدل على العلم، فترجع طريقة الإتقان إلى طريقة القدرة وهي كافية في إتيان المطلوب ولا يخفى ضعف السؤال، كما قال بعضهم، وأنه لا صعوبة فيه على أصول المتكلمين لمن أتقن ما أسلفناه.